Skip Ribbon Commands
Skip to main content
 
 


حضارة/ الحضارة الإسلامية في صقلية


أحمد أمين


كاتب وباحث في التاريخ الإسلامي


41.jpg



تعتبر الأندلس نقطة تحول كبيرة في عملية الفتوحات الإسلامية، فقد نقلت الحركة الجهادية إلى مناطق عديدة، وساهمت في نقل الحضارة العربية الإسلامية، بثقلها العلمي والفكري حينذاك، إلى شعوب وبلاد عديدة في أوروبا. من ضمن تلك البلاد التي شع عليها نور الحضارة الإسلامية جنوب إيطاليا وصقلية، إذ شهدت أزهى عصورها ونهضتها خلال فترة حكم المسلمين.


الصراع في البحر المتوسط


لم يتوقف الصراع بين المسلمين والروم والبيزنطيين على فرض سيطرتهم على البحر المتوسط والتحكم في طرق التجارة البحرية، فمنذ تكوين الأسطول البحري الإسلامي وإدراك أهمية البحر المتوسط، ظلت الأساطيل الإسلامية تجوب عباب البحار فاتحة بلادا ومدنا عديدة؛ ففتح المسلمون جزيرة كريت وقبرص وردوس والجزائر الشرقية (البليار).


مع زيادة القوة البحرية للمسلمين، وضعوا نصب أعينهم فتح باقي جزر المتوسط، وهي الجزر الثلاث الكبرى: صقلية وسردانية وكورسكا. وكانت أهمية الجزر وموقعها الجغرافي المميز وثرواتها الطبيعية مقصدا قويا للمسلمين، فكانت هدفا للبحارة والمجاهدين، لكنها كانت حملات ينقصها القوة والتأييد الرسمي، سواء من حكومة الأندلس أو إفريقيا؛ لذلك لم يتم فتح أي من تلك الجزر فتحا كاملا خلال تلك المرحلة.


حتى الغزوات الإسلامية لصقلية، منذ أيام الأمويين، كانت صغيرة الحجم وغير كافية لفتح البلاد، وكانت أولى المحاولات في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان  "رضي الله عنه" ، ثم تلتها محاولات عدة أخرى، لكن لم يثبت للمسلمين فتح خلالها. وفي عام 122هـ نزل حبيب بن أبي عبيدة (حفيد عقبة بن نافع فاتح إفريقيا) أرض صقلية، ومعه ابنه عبدالرحمن، وفي نيته أن يمضي قدما حتى يفتح الجزيرة كلها، لكن اضطراب الأمور في إفريقيا جعله يعود سريعا للتصدي لإحدى الثورات هناك.


مع بداية القرن الثالث الهجري تزايدت القوى البحرية للمسلمين بشكل كبير للغاية، فأنشأت حكومة قرطبة في الأندلس أسطولا ضخما، كما أنشأت في إشبيلية دارا لصناعة السفن، كما اهتم الأغالبة (حكام إفريقيا) بالأساطيل البحرية لتأمين حدودهم البحرية، وظلت أساطيل الأندلس والأغالبة تجوب عباب المتوسط معلنة السيادة عليه، مما جعل فتح صقلية أمرا سهل المنال وفي متناول قوة المسلمين.



الفتح


في عام 212هـ سنحت الفرصة للمسلمين لفتح صقلية، حيث وقع الشقاق والخلاف بين قائد الأسطول الصقلي فيمي والإمبراطور البيزنطي ميخائيل الثاني، ووقعت بينهما بعض المعارك، فاستنجد فيمي بحاكم إفريقيا زيادة الله بن الأغلب ووعده بتسليم صقلية له والانضواء تحت حكمه (1).


وجد زيادة الله بن الأغلب الفرصة سانحة لفتح صقلية، فعزم على فتحها، وجهز الأسطول، وانضم إليه عدد كبير من المجاهدين والبحارة، وولى ابن الأغلب قيادة الجيش والأسطول إلى أسد بن الفرات، الفارس الفقيه، وعلى الرغم من تجاوزه السبعين من عمره فإنه كان يتقد حماسة ورغبة في الجهاد والفتح.


أسد بن الفرات


وأسد بن الفرات بن سنان ولد بحران عام (142هـ/759م)، كان أبوه من المجاهدين الذين قدموا إلى إفريقيا في زمن العباسيين. طلب أسد العلم منذ صغره، ونبغ في علم الفقه، ورحل في طلب العلم، وأخذ عن الإمام مالك، وعن أئمة مصر وبغداد، وصنف كتاب الأسدية أو المختلطة في الفقه المالكي.


تولى أسد قضاء القيروان في عهد إبراهيم بن الأغلب (مؤسس أسرة الأغالبة). وعلى الرغم من اهتمام أسد بالعلم والنبوغ فيه، فإنه كان ممن جمعوا بين القلم والسنان، فقاد حملة كبيرة لفتح جزيرة قوصرة (2).


تحرك أسد بن الفرات بالأسطول من مدينة سوسة يوم السبت، النصف من شهر ربيع الأول سنة 212هـ، في نحو مئة مركب متوجها إلى صقلية، وقد تجاوز تعداد جيشه العشرة آلاف مقاتل.


هاجم أسد بن الفرات الجزيرة بكل قوة وبسالة، وعلى الرغم من كثرة عدد الجيش البيزنطي وتفوقه فإن ابن الفرات حقق انتصارات حاسمة في فترة وجيزة، واستطاع فتح الكثير من الحصون، لكن فجأة انتشر وباء قاتل في معسكر المسلمين، ووقع ضحيته الكثير، ومن بينهم الشيخ المجاهد أسد بن الفرات، حيث وافته المنية في مدينة قصريانة ووري هناك الثرى، ليختم التاريخ صفحة رائعة من صفحات الجهاد والحماسة، كان بطلها الشيخ المجاهد القائد الجريء، الذي أنهى حياته وختمها بنصر عظيم.


بعد وفاة ابن الفرات واصل المسلمون فتحهم للجزيرة، ورغم مواجهة بعض المشاكل والعقبات فإنه في النهاية تكلل جهاد المسلمين بالفتح والسيطرة على الجزيرة.


عصر النهضة الإسلامية


بعد سقوط حكم الأغالبة في تونس وانتقاله إلى الفاطميين، تولى الإمارة في الجزيرة في سنة 336هـ الحسن بن علي الكلبي، ولم تحب صقلية ولاة من قبل الخليفة الفاطمي كما أحبت بني أبي الحسين (3).


اشتهر الكلبيون بالعدل والمساواة، ونشطوا الحركة التجارية والصناعية في الجزيرة؛ فحل الرخاء والأمن، كما كان لجهادهم القوي في الجنوب الإيطالي عامل كبير في استقرار أحوال صقلية وتأمين حدودها وحمايتها من الأعداء.


وتعاقب على صقلية من الكلبيين عشرة ولاة في مدة خمس وتسعين سنة، شهدت في أثنائها تقدما في الحياة العمرانية وفي العلوم والآداب، كما شهدت جهادهم المستمر في جنوب إيطاليا وفي مقاومة أطماع الروم في الجزيرة.


وأخلدت صقلية إلى الهدوء، وجنت من ذلك خير الثمار. وكان من أسباب هذا الهدوء انشغال الجند في أكثر الأوقات بالحروب في جنوب إيطاليا، وإخلاص الكلبيين في الدفاع عن صقلية، واعتبار أنفسهم مستقلين استقلالا داخليا في شؤون الجزيرة (4).


النهضة الإسلامية في صقلية


حرص المسلمون خلال حكمهم على تشجيع الزراعة والتجارة والفنون والعلوم والآداب، واشتهرت صقلية بخصوبة أراضيها وجودتها، فلما جاءها العرب المهرة، وأحسنوا تنظيم أحوالها الاقتصادية، جنوا ثمار هذا التنظيم، وأضحت مدينة بالرم (باليرمو) ثغرا تجاريا عظيما بين أوروبا المسيحية وإفريقيا الإسلامية، وما لبثت أن صارت من أغنى المدن في بلاد الإسلام، كما أدخلوا إلى صقلية كثيرا من أنواع الزراعة، فجاءوها بالليمون والبرتقال والقصب والأرز والنخيل والقطن والبردي، حتى نشأت في صقلية أساليب زراعية تلائم بيئتها، وأصبحنا نسمع في كتاب الفلاحة بما يسمى طريقة صقلية في زراعة البصل مثلا، أو عادة أهل صقلية في زراعة القطن، أو طريقتهم الخاصة في عمل معنب من عصير العنب الحلو. وأكثر الناس من زراعة الخضروات، وبعض أنواعها أدخلها المسلمون إلى الجزيرة. وكانت بلرم وضواحيها عامرة بالبساتين والأجنة والطواحين على وادي عباس، وكانت الأراضي السبخة القريبة منها مزروعة بالقصب الفارسي وبالمقاثي الصالحة، وكان في خلال أراضيها بقاع قد غلب عليها البربير، وهو البردي المعمول (5).


كما اشتهرت صقلية بصناعة الجلود والحرير والصوف والقطن والكتان الصقلي الذي كانت له شهرة واسعة، كما قامت فيها عدة صناعات كبيرة كصناعة السفن.


وبعث علم النبات بعثا جديدا على أيدي المسلمين في ذلك العصر، وقد كاد ينسى بعد ثاوفراسطوس (6)؛ فقد وضع الإدريسي كتابا في النباتات وصف فيه ثلاثمئة وستين نوعا مختلفا منها، ولم يقتصر اهتمامه بها على الناحية الطبية، بل عني أيضا بالناحية العلمية النباتية (7).


سقوط صقلية


وقعت في نهاية حكم الكلبيين صراعات داخلية دامية أدت إلى تفكك قوى صقلية الإسلامية، مما جعل الفرصة سانحة أمام النورمان (8)، فغزا الجزيرة ملكهم روجار 484هـ، واستخلصها من يد المسلمين بعد صراع عنيف بين المسلمين والنورمان استمر حوالي عشرين عاما. وقد حاول المعز بن باديس (حاكم تونس) مساعدة المسلمين الصقليين فأرسل أسطولا ضخما لكن الأسطول تعرض لعاصفة بحرية رهيبة أدت إلى غرق معظمه.


بدأ المسلمون في تنظيم المقاومة في الجزيرة، خصوصا في جزيرة سرقوسة، وكان قائدها رجلا مغوارا شهما اسمه ابن عباد، وخاض معارك عديدة ضد روجار، وحقق انتصارات باهرة، وحرر بعض المدن، لكن سنة 1085 وقعت معركة رهيبة بين روجار وبين ابن عباد، وعلى الرغم من ثبات ابن عباد والمسلمين فإن حجم الأسطول النورماني كان يفوقهم عدة وعتادا فوقعت الهزيمة في جيش المسلمين وقتل ابن عباد وخمدت الثورة.


اضطهاد المسلمين في صقلية


بعد سقوط صقلية عانت بعض المدن الإسلامية، التي كان المسلمون يشكلون فيها أقلية، من اضطهاد ديني ملحوظ، وصل لدرجة فرض التنصير بالقوة، حتى إن الرحالة ابن جبير وصف في رحلته ما شاهده من اضطهاد المسلمين ومعاناتهم على الرغم من تسامح الملكين روجار وغليام معهم، إلا أن الكثير من المسلمين كانوا يعانون بشدة، مما اضطرهم إلى إخفاء دينهم والتظاهر بالنصرانية لحماية أنفسهم من القتل والتعذيب.


وقد روى ابن جبير تلك الحادثة المؤلمة التي شاهدها بنفسه فقال: «في مدة مقامنا بهذه البلدة تعرفنا ما يؤلم النفوس تعرفه من سوء حال أهل هذه الجزيرة مع عباد الصليب بها، دمرهم الله، وما هم عليه معهم من الذل والمسكنة، والمقام تحت عهدة الذمة، وغلظة الملك، إلى طوارئ دواعي الفتنة في الدين على من كتب الله عليه الشقاء من أبنائهم ونسائهم، وربما تسبب إلى بعض أشياخهم أسباب نكالية تدعوه إلى فراق دينه، فمنها قصة اتفقت في هذه السنين القريبة لبعض فقهاء مدينتهم التي هي حضرة ملكهم الطاغية، ويعرف بابن زرعة، ضغطته العمال بالمطالبة حتى أظهر فراق دين الإسلام والانغماس في دين النصرانية، ومهر في حفظ الإنجيل ومطالعة سير الروم وحفظ قوانين شريعتهم، فعاد في جملة القسيسين الذين يستفتون في الأحكام النصرانية، وربما طرأ حكم إسلامي فيستفتى أيضا فيه؛ لما سبق من معرفته بالأحكام الشرعية، ويقع الوقوف عند فتياه في كلا الحكمين. وكان له مسجد بإزاء داره أعاده كنيسة، نعوذ بالله من عواقب الشقاوة وخواتم الضلالة، ومع ذلك فأعلمنا أنه يكتم إيمانه. فلعله داخل تحت الاستثناء، في قوله: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} (النحل:106)» (9).


ولعل أخطر ما جرى للمسلمين في صقلية تلك الحادثة المؤلمة عندما قامت ثورة على مايون وزير غليام الأول منتصف عام 1160م، فقد كان مايون نزع السلاح من أيدي المسلمين. فلما قام النبلاء والبارونات بالثورة عليه، انتهز المسيحيون هذه الفرصة وهاجموا المسلمون، وأثخنوا فيهم قتلا وذبحا في شوارع بلرم، ثم قتلوا المسلمين الذين كانوا في الدواوين أو في الفنادق والحوانيت، ونزعوا الأكفان عن جثث الموتى، ولم يكن عدد من هلك من المسلمين قليلا، وممن قتل في هذه الواقعة الشاعر القفصي يحيى بن التيفاشى، ولعل الإدريسي كان من ضحاياها أيضا، ثم إن اثنين من اللمبارديين خرجا إلى بثيرة وغيرها، وجمعا الفلاحين اللاتين، وأغارا بهم غارات متتالية على المسلمين الذين كانوا يعيشون بين المسيحيين، من دون أن يراعوا في ذبحهم عمرا أو جنسا، حتى أبادوهم إلا قليلا نجوا بأنفسهم، ولجأوا إلى الغابات والجبال لتخفيهم عن أنظار المسيحيين، وبعضهم لجأ إلى قلعة في جنوبي صقلية يسكنها بعض إخوانهم في الدين (10).



صقلية


هي كبرى جزر البحر الأبيض المتوسط وأكثرها سكانا، وتعتبر منطقة ذاتية الحكم في إيطاليا، وكان لموقعها الجغرافي المميز عامل رئيسي في جعلها مقصدا للفاتحين والغزاة، فتناوب السيطرة عليها الفينيقيون ثم القرطاجيون، ومن بعدهم الإغريق والرومان، وصولا إلى البيزنطيين ثم المسلمين، الذين حكموها فعليا لمدة 264 سنة، مما جعل التأثير الحضاري والثقافي والفكري العربي مازال ممتدا حتى يومنا هذا.



الهوامش


1- انظر: الكامل في التاريخ، (5/489).


2- تاريخ ابن خلدون، (1/314).


3- إحسان عباس: العرب في صقلية، ص44.


4- المصدر السابق.


5- إحسان عباس: العرب في صقلية، ص72.


6- فيلسوف يوناني من تلاميذ أرسطو برع في علوم كثيرة أخصها النبات 372 - 287 ق.م.


7- قصة الحضارة، (13/359).


8- شعوب الدول الإسكندنافية (الدانمرك والسويد والنرويج)، ويطلق عليهم غزاة الشمال أو الفايكنج.


9- المصدر السابق، ص278.


10- إحسان عباس: العرب في صقلية، ص149.