Skip Ribbon Commands
Skip to main content
 
 

أعلام/ العلامة الطاهر أحمد مكي..

صلاح حسن رشيد باحث مصري

تاريخ من العصامية والموسوعية
65.jpg




للعلامة الدكتور الطاهر أحمد مكي (1924م-...) أستاذ الأجيال، والناقد الأدبي البارز بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، وعضو مجمع الخالدين اللغوي القاهري.. مكانة علمية بين العرب؛ لا تضاهيها مكانة؛ فهو الذي أتى بالأندلس المفقود وحضارته الرائعة إلى عرب اليوم؛ عبر مؤلفاته، ومترجماته، وتحقيقاته! فهو أعجوبة بحق في دنيا العلم، والتأليف، والثقافة! ولم لا؟! وهو العصامي؛ الذي علم نفسه بنفسه؛ فلم يكتف بشهادة الدكتوراه من إسبانيا في عام 1961م؛ وإنما بدأ بنفسه مشوار التنقير، والتنقيب، والاستنباط، والبحث الدؤوب في التراث العربي، وفي الآداب الغربية، والتي يجيد خمسا من لغاتها بمهارة فائقة، وهي: «الإسبانية، والبرتغالية، والفرنسية، والإيطالية، والإنجليزية» إلى جانب العربية طبعا، كما كتب في تاريخ الثقافة العام، من خلال الأدب المقارن؛ فهزم حملة الدكتوراه الكسالى؛ بموسوعيته، وتبحره، وقامته الفكرية المديدة؛ فأعاد لنا عصر الأجداد العباقرة الموسوعيين!

فلو لم يؤلف الطاهر مكي سوى كتابه الفذ «الأدب المقارن أصوله وتطوره ومناهجه» لكفاه شاهدا على عبقريته، واستطالته العلمية، ومبايعة له عميدا للأدب المقارن في مصر والوطن العربي!

كتب في الأدب؛ فأخرس النقاد! وكتب في المعارف، وفي الأدب المقارن، وتاريخ الآداب، والتحقيق، وفي الحضارة، والتلاقح الحضاري؛ فكان دائرة معارف حوت الشرق، والغرب، والقديم، والجديد.. وبارى عظماء الإنسانية؛ فصال وجال معهم بقريحته الوقادة، وألمعيته النفاذة.. وكتب في التاريخ؛ فأرخ ما غاب عن أهل التاريخ!

هاضم للتراث

كشف عن صفحات مجهولة من عبق الماضي عبر كتابه العمدة؛ الذي راج بين العلماء؛ فتم طبعه أكثر من ثلاثين طبعة، وهو كتاب «دراسة في مصادر الأدب» الذي ألفه وهو معيد بكلية دار العلوم؛ حتى إن المحقق الراحل/ محمود الطناحي (1935-1999م) كتب عنه مقالين في مجلة «الهلال» في الثمانينيات، وصف جهد الطاهر مكي في هذ الكتاب بالخارق!

وتظهر مكانة الطاهر مكي الموسوعية، والفكرية بحق؛ من خلال تحقيقه الأهم، والأعلى قدرا بين جمهور المحققين لمخطوطة «طوق الحمامة» للفقيه الظاهري/ ابن حزم الأندلسي؛ حتى أضحى أفضل تحقيق لهذا الكتاب، وصار اسم الطاهر مكي على طوق الحمامة شهادة ميلاد جديدة له؛ بعد ضياع القديمة!

ولكم تمنى المحقق الراحل/ عصام الشنطي (1929- 2012م) عندما شرع معهد المخطوطات العربية بالقاهرة في عمل كتاب تذكاري عنه؛ أن يكتب عنه الطاهر مكي، ولو كلمة صغيرة.. فحالت ظروف الطاهر مكي، وانشغاله بالعديد من الموضوعات البحثية الشائكة؛ التي ينوء بالتفكير فيها العصبة من الرجال الأشداء؛ دون تلبية رغبة الشنطي يرحمه الله تعالى.

الطاهر مكي وملحمة السيد

أما تحقيقه وترجمته ودراسته لـ «ملحمة السيد» عن اللغة القشتالية الصعبة؛ فهي آية الآيات على تمكنه من ناصية اللهجات الإسبانية القديمة، واللغة اللاتينية، واللغة العربية. فقد أخرج للعرب أول ملحمة شعبية إسبانية من ركام وسراديب المجهول؛ تحكي قصة الأندلس وما مر به من محن وكروب.. حتى إن الدكتور حامد أبوأحمد وصف جهد أستاذه الطاهر مكي المضني في نقل وتعريب هذه الملحمة؛ فقال: «لقد أخرجها الطاهر مكي من العدم، إلى واقع الحياة؛ فتغلب على صعوباتها اللغوية، واللهجية القديمة؛ بصبر العالم الموسوعي، وهمة المحقق المترجم، وقلم الأديب الفنان»!

ويعد كتابه «دراسات أندلسية في الأدب والتاريخ والفلسفة» من أهم الدراسات المتعمقة في تاريخ الأندلس الثقافي، والحضاري؛ حتى إن طبعته قد نفدت الآن؛ جراء كثرة رواج طبعات الكتاب بين المتخصصين، والعامة.

قال عنه تلميذه الدكتور الراحل عبداللطيف عبدالحليم (أبوهمام) (1945- 2014م): «الطاهر مكي هو شيخ الأدب والنقد في دار العلوم؛ بلا منازع! فمن تتلمذ على يديه؛ حاز الفخار والرفعة، ومن لم ينل منه أنوار المعرفة، وقبسات اليقين والعلم الروحاني؛ فلا يلومن إلا نفسه»!

وصفه الدكتور أحمد فؤاد باشا (1942م-...) في مقاله بمجلة «الوعي الإسلامي» الكويتية قبل عدة أشهر؛ فقال: «الطاهر مكي عميد الدراسات الأندلسية في مصر والوطن العربي»!

ترجماته الفريدة

وأما مترجماته؛ عالية القدر العلمي والفني؛ فتنبئ بأن الطاهر مكي وقف على أعظم ما أنتجه عقل المستشرقين المنصفين حول الأندلس: حضارة، وثقافة، واجتماعيات، وسياسة.. فنقل للعرب بعبقريته ولماحيته: الفن العربي في إسبانيا وصقلية للمستشرق الألماني فون شوك، والحضارة العربية في إسبانيا للمستشرق الفرنسي ليفي بروفنسال، والتربية الإسلامية في الأندلس للمستشرق الإسباني خوليان ريبيرا، والشعر الأندلسي في عصر الطوائف للمستشرق الإسباني هنري بيريس، والأدب الأندلسي من منظور إسباني لكبار المستشرقين.

صلاح الدين في الآداب الأوروبية

ومازلنا ننتظر خروج كتابه المهم؛ العاكف عليه منذ فترة، وهو كتاب «صلاح الدين الأيوبي في الآداب الشعبية الأوروبية» وهو أوفى كتاب تناولته أقلام الغربيين المنصفين، وغير المنصفين لشخصية البطل صلاح الدين.. ونلحظ فيه مدى التعب، والنصب في الترجمة، لاسيما من اللغات الأوروبية، ولهجاتها الصعبة. وهو ما يؤكد على تمكن الطاهر مكي من أدواته في الأدب المقارن ولغاته؛ بصورة مذهلة!

ولإخلاص الطاهر مكي لابن حزم؛ أديبا، وشاعرا ومصلحا، وفقيها؛ فقد عقد دراسة مقارنة رائعة بينه وبين دانتي الليجيري؛ من خلال فلسفة الحب الإنساني؛ بعنوان «الحب بين دانتي وابن حزم» مع ترجمة كتاب دانتي (الحياة الجديدة) وعسى أن نراه قريبا بإذن الله تعالى.

واعترافا بمكانة دار العلوم في قلب الطاهر مكي، وعقله، وروحه، وكيانه؛ فقد ترجم كتاب مستشرقة أميركية عن أثر دار العلوم الثقافي البارز في مصر في منتصف القرن العشرين. ونحن بانتظار خروجه إلى النور قريبا إن شاء الله تعالى.

الطاهر مكي.. تاريخ يتحرك

ولكون الطاهر مكي.. شخصية غير نمطية، ولا متكررة؛ عاصرت الكثير من الأحداث الفاصلة والمؤثرة في مصر والعالم العربي فقد سجل قلمه الموثق للأحداث، والأشخاص، بمهارة الأديب المؤرخ، وعقل الناقد الحصيف، والفنان المرهف.. كل هذه العصور، والعهود، والنكبات، والانتصارات؛ فضلا عن همومه الشخصية، وأتراحه، وأفراحه؛ من خلال سيرة حياته المديدة؛ التي حوت علما، وتاريخا، وأدبا، ولغة، وتراثا، وحضارة، وثقافة، ورجالا، والتي حملت عنوانا هو «الطاهر مكي.. صعيدي في قلب القاهرة» والتي شرع فيها قبل مدة من الزمان، ونتمنى من سيادته الإسراع فيها؛ لكي يقرأها الجميع، ويفيدوا منها، ومن خبرة صاحبها، وشهادته على عصره، ورؤيته للأحداث عن قرب، ومن علمه الغزير.

لكل ما سبق، وأكثر منه؛ فلم نعرج عليه؛ خوفا على الطاهر مكي من الحسد، والحاسدين؛ فقد خاطبته جامعات العرب؛ للنهل من علمه الواسع، وخصاله الزاكية؛ فاستجاب إلى البعض، واعتذر إلى البعض الآخر بلباقة، وحسن أدب.. حكى المؤرخ الدكتور مجاهد الجندي عن حرص هذه الجامعات على وجود الطاهر مكي على رأس أساتذتها؛ فقال: «زرت أستاذي الطاهر مكي في أحد الأيام؛ فوجدته يتلقى مكالمة هاتفية من مسؤول سعودي كبير؛ بجامعة الملك سعود بالرياض؛ حرص هذا المسؤول فيها؛ على أهمية التعاقد مع الطاهر مكي؛ كي يضع لهم مناهج الدراسات العليا بالكلية، مع إشرافه عليها، مع إعطائه أعلى راتب، وتوفير كل سبل الراحة له، من مسكن، وسيارة، وإجازات كما يحب؛ فاعتذر له؛ بكل لطف ومودة؛ شاكرا للرجل ذلك العرض الجميل».

ومن حسنات الطاهر مكي العلمية الكثيرة، والتي تستعصي عن الحصر؛ أنه أول من أشار إلى رحلة الأمير علي بك العباسي إلى العالم العربي في مطلع القرن العشرين في مجلة «المجلة» القاهرية في الستينيات من القرن الماضي. ولم يكن هذا الرجل إلا دومنجو باديا؛ أحد الإسبان القادمين إلى أراضينا؛ لدراسة أوضاعنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ بإيعاز من الحكومة الإسبانية؛ تمهيدا لكتابة تقرير لها عن أحوالنا؛ ليتسنى لها بعد ذلك الإغارة على بلاد العرب، واحتلالها، ونهب ثرواتها!

ولا يمكن أن ننسى؛ موقف الطاهر أحمد مكي النبيل والعادل، والمدافع عن المظلومين ضد عتو البعض؛ والذي حكاه الدكتور الراحل جابر قميحة (1934-2012م) للأديب السوداني محيي الدين صالح قبل عقد من الزمان، عن أيدي الطاهر مكي البيضاء؛ بحق البحث العلمي الجاد، والباحثين الأكفاء؛ فقال له: «تقدمت إلى لجنة الترقيات؛ لنيل درجة الأستاذية بجامعة عين شمس في الأدب العربي ونقده في الثمانينيات؛ فتعرضت لظلم بين؛ لاسيما أن اللجنة كان يسيطر عليها أنصار الحداثة؛ فلم ينصفني من جبروتهم؛ إلا تقرير الطاهر مكي؛ رئيس اللجنة؛ الذي رأى في بحوثي إضافة، وقيمة فنية، وأدبية؛ فخرست ألسنتهم أمام إنصاف الطاهر مكي، وعدله، وإحقاقه للحق! فهو أستاذ كبير، وناقد فذ، ومنصف إلى أبعد مدى، ومتواضع زاهد؛ فكأنه الجنيد، وذو النون المصري في العصر الحديث»!

سئل الدكتور الأردني الراحل ناصر الدين الأسد (1922-2015م) عن الطاهر أحمد مكي؛ فقال أثناء مشاركته في مؤتمر مجمع الخالدين اللغوي بالقاهرة: «تأتي بحوثه في الأندلسيات في القمة العلمية، وترجماته تكشف عن إلمامه بناصية اللغات؛ بفهم عجيب، وآراؤه النقدية، والفكرية تعطي الباحثين المصداقية، والنزاهة العلمية، والرأي البعيد عن الهوى والغرض»!

أما الدكتور العراقي الراحل يوسف عز الدين (1922-2013م)؛ فقال عنه: «أتابع بحوثه، ومؤلفاته بدأب؛ فهو باحث يمتلك العدة الثقيلة، ولديه إبحار، وتمكن في التراث، والمعاصرة، ودراساته عن الأندلس تقف شاهدة على ريادته؛ فإضافة الطاهر أحمد مكي البارزة في الأدب المقارن؛ تمنحه لقب عميد الأدب المقارن اليوم»!

عاش الطاهر مكي؛ وهو لا يتكسب من نشر وطبع مؤلفاته؛ تلك التي حملها الركبان؛ فانتشرت وراجت في طبعات وطبعات من المحيط إلى الخليج! فأثناء عمادة الدكتور علي أبوالمكارم (1936م-2015م) لكلية دار العلوم في تسعينيات القرن الماضي قرر إحياء سنة قديمة؛ كانت متبعة في الدار من قبل؛ وهي اختيار مجموعة من المؤلفات الأمهات، والمصادر الأساسية؛ للأساتذة الكبار، وإعطائها إلى الطلاب مجانا؛ لتكون معهم زادا فكريا، وعونا معرفيا في حياتهم العملية؛ أثناء التدريس بعد ذلك! فلما سمع بهذا الأمر؛ الدكتور الطاهر مكي وافق على الفور على طبع كتابه الكبير «الأدب المقارن أصوله وتطوره ومناهجه» الذي وقع عليه الاختيار.. طبعة خاصة للطلاب؛ بلا أي مقابل مادي!

اتصلت به قبل سبع سنوات دار المتنبي للطبع والنشر بالسعودية؛ للتعاقد معه على إعادة طبع كتابيه «الشعر العربي: روائعه ومدخل لقراءته»، و«القصة القصيرة.. مختارات ودراسة» طبعة خاصة بالمملكة؛ فوافق على الرحب والسعة؛ لكنه لم يدر أن كتابيه سيروجان بين الجيل الجديد هناك؛ بهذه الصورة المذهلة؛ فقد تلقفها الناس على الفور؛ حتى نفدت في أيام قلائل!

والعجيب؛ الغريب حقا وصدقا؛ أن كتابه المهم «مقدمة في الأدب الإسلامي المقارن» الذي ساح فيه؛ فدرس سمات التأثير والتأثر بين آداب الشعوب الإسلامية، ولغاتها كـ:الهوسا، والسواحلية، والفارسية، والتركية، والأردية. هذا الكتاب؛ الذي ألفه الطاهر مكي في أوائل التسعينيات من القرن الماضي.. أصبح العمدة لدى رابطة الأدب الإسلامي العالمية بالرياض؛ مع أنه ليس عضوا فيها! وقد وجه الأنظار في الأدب المقارن إلى وجهة أخرى غير الوجهة الغربية التي فتن بها الحداثيون؛ ماتزال بكرا بين الدارسين في العالم العربي! تماما؛ كما فعل العلامة الدكتور حسين مجيب المصري رحمه الله تعالى (1916-2004م) عميد الأدب الإسلامي المقارن، في دراساته الرصينة بين هذه الآداب، واللغات.

بل؛ إن الدكتور صابر عبدالدايم دائم الإشادة بالطاهر مكي، والاستشهاد بكتابه، في الدفاع عن الأدب الإسلامي ضد مناوئيه.. فقد حوى هذا الكتاب من العلم، والحقائق، والبراهين؛ ما عجزت عن تلمسه، وكشفه الرابطة طوال أكثر من ثلث قرن.