Skip Ribbon Commands
Skip to main content
 
 
 

ثقافة:
بيوت الحكمة
هند عبدالحليم محفوظ
مدرس مساعد بكلية الدراسات الإنسانية جامعة الأزهر
 
يعرف دارسو الكلاسيكيات أن البلاغة، أي فن إلقاء الخطب، كانت السلاح الرئيسي في يد كل طامح في منصب سياسي في أثينا أو روما. أما في بغداد، عاصمة الرشيد، فإن السلاح الجديد الذي لا غنى عنه هو العلم، الذي لا سبيل إلى تطويره والتقدم فيه إلا بالترجمة. ومن هنا جاء اهتمام الخلفاء العباسيين برعاية حركة الترجمة.
67.jpg

ومنذ القرن الثالث الهجري نشأت مؤسسات عرفت باسم بيوت الحكمة، أو خزائن الكتب، أو دور العلم، وهي أشبه ما تكون بالدوائر العلمية، أو المؤسسات الأكاديمية في وقتنا الحاضر، فهي مكتبة للمطالعة، وهي معهد للترجمة، وهي مدرسة للتثقيف والتعليم، وهي مركز للرصد ومكان للنسخ والنقل.
وكانت أولى هذه الدور هي «بيت الحكمة»، الذي أنشأه الخليفة المأمون (198 - 218 هـ، 813 - 833 م) في بغداد، وفي عصره بدأت الترجمة من اليونانية إلى العربية مباشرة من دون المرور بالسريانية كلغة وسيطة. كما بدأ إصلاح الترجمات الأقدم والأقل دقة مما هو مطلوب. وكان المأمون يناظر مدعي النبوة والزنادقة وأصحاب الاتجاهات الفكرية المختلفة، وهذا يدل على سعة اطلاعه وقوة حجته. وهو الذي قرب الفلاسفة، وشجعهم، وأرسل إلى الروم يطلب الكتب، وسار كثير من الأمراء على دربه في اقتناء كتب العلوم وتقريب الحكماء. ويقر الدكتور شوقي ضيف رواية ابن النديم القائلة بأن المأمون هو الذي جلب الكتب من بلاد الروم، وقد قيل إن يوحنا بن ماسويه ممن نفذ إلى بلاد الروم. ويقول ابن نباتة في ترجمته لسهل بن هارون: «جعله المأمون كاتبا على خزائن الحكمة، وهي كتب الفلاسفة التي نقلت للمأمون من جزيرة قبرص، وذلك أن المأمون لما هادن صاحب هذه الجزيرة أرسل إليه يطلب خزانة كتب اليونان، وكانت مجموعة عندهم في بيت لا يظهر عليه أحد، فأرسلها إليه، واغتبط المأمون وجعل سهل بن هارون خازنا عليها».
وكان المأمون بليغا في خطبه، وكانت معارفه الطبية واسعة جدا حتى قال له يحيى بن أكثم: «يا أمير المؤمنين، كأنك جالينوس في معرفتك بأمور الطب».
وكان المأمون، يطلب من المغلوبين الروم المخطوطات الإغريقية في مقابل توقيع معاهدات سلام، أو الإفراج عن الأسرى.
وحين تولى الخليفة هارون الرشيد أمور الخلافة عام 786م، وكان قد تلقى العلم في بلاد الفرس وتحت رعاية يحيى البرمكي، وكان شغوفا بالعلوم والآداب، واعتبر بعض المؤرخين أن فترة حكمه كانت العصر الذهبي للترجمة، فقد رعى العلماء الذين درسوا أو ترجموا العلوم اليونانية، وأرسل من يجوب أراضي الإمبراطورية الرومانية بحثا عن المخطوطات الإغريقية. فجلبت مادة ضخمة أصلية في علوم الطب والفلسفة، ولا سيما أرسطو والأفلاطونية الجديدة. وقد اهتم بـ «بيت الحكمة» اهتماما كبيرا، وأوقف عليه الأموال الطائلة، ونقل إليه ما وجده من كتب في أنقرة وعمورية وبلاد الروم، وعهد بإدارته إلى يوحنا بن ماسويه.
ويرى المستعرب الأمريكي (من أصل يوناني) ديمتري جوتاس أن «بيت الحكمة» هو فكرة فارسية الأصل، شكلا ومضمونا. فالعبارة «بيت الحكمة» هي ترجمة لمعنى «المكتبة» في اللغة الفارسية. ويستند جوتاس في ذلك إلى ما قاله حمزة الأصفهاني المتوفى (350 هـ - 961م)، وكان من أوسع المؤرخين معرفة بفارس قبل الإسلام. وقال في مقدمة كتابه «الأمثال الصادرة عن بيوت الشعر»: «إن الكتب النثرية التي حوت الرواية التاريخية التقليدية وقرارات الحروب وقصص المحبين المشهورين قد أعيدت صياغتها شعرا للملوك الساسانيين وأودعت خزائن تسمى «بيوت الحكمة»، فهي إذن مكتبات ملكية». ويضيف جوتاس: «من المؤكد أن بيت الحكمة لم يكن مركزا لترجمة كتب يونانية إلى العربية. إن حركة الترجمة من اليونانية إلى العربية لم تكن أبدا من نشاطات بيت الحكمة. ومن المؤكد أيضا أنه لم يكن أكاديمية لتدريس العلوم القديمة أثناء القيام بترجمتها. كان بيت الحكمة في حقيقة الأمر مكتبا إداريا عباسيا. فقد نجح في تنظيم ثقافة الترجمة الفهلوية إلى العربية».
دار الحكمة بالقاهرة
كانت المنافسة بين الفاطميين والعباسيين على أشدها في ميادين العلم والتعليم، وخلال القرن الرابع الهجري أسس العزيز بالله الفاطمي (386هـ) دار الحكمة بالقاهرة عام 395هـ على نحو ما كانت عليه دار الحكمة في بغداد. وذكر المقريزي: «أن الحاكم بأمر الله نقل إليها من كتب قصره، ومن خزائن القصور المعمورة بما يقدر بستمائة ألف مجلد، وبلغ عدد كتبها فيما بعد مليونا وستمائة ألف مجلد، حتى أنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم منها».
وقد وصف المقريزي دار الحكمة وصفا جامعا، فقال: «ففي سنة خمس وتسعين وثلاثمائة فتحت الدار الملقبة بدار الحكمة بالقاهرة، وجلس فيها الفقهاء، وحملت الكتب إليها من خزائن القصور المعمورة، ودخل الناس إليها، ونسخ كل من التمس نسخ شيء مما فيها ما التمسه، وكذلك من رأى قراءة شيء مما فيها، وجلس فيها القراء والمنجمون وأصحاب النحو واللغة والأطباء، بعد أن فرشت الدار، وزخرفت وعلقت على جميع أبوابها وممراتها الستور، وأقيم قوام وخدم وفراشون وغيرهم وسموا بخدمتها، وحصل في هذه الدار من خزائن أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله من الكتب التي أمر بحملها من سائر العلوم والآداب والخطوط المنسوبة، ما لم ير مثله مجتمعا لأحد قط من الملوك، وأباح ذلك كله لسائر الناس على طبقاتهم، ممن يؤثرون قراءة الكتب والنظر فيها، فكان من المحاسن المأثورة أيضا التي لم يسمع بمثلها إجراء الرزق السني لمن رسم له الجلوس فيها، والخدمة لها، من فقيه وغيره، وحضرها الناس على طبقاتهم: فمنهم من يحضر قراءة الكتب، ومنهم من يحضر النسخ، ومنهم من يحضر التعليم، وجعل فيها ما يحتاج الناس إليه من الحبر والأقلام والورق والمحابر».
و«دار العلم» هذه غير خزانة العزيز بالله التي خصصها للكتب، وليست هي أيضا خزانة المخطوطات التي كانت توجد داخل القصور. وكان في تلك الخزانة مئات الكتب، وفيها نسخة العين للخليل بن أحمد، وتاريخ الطبري، والجمهرة لابن دريد. ويقول المقريزي إنها كانت تشتمل على ألف وستمائة الف كتاب، ويذكر ابن أبي مزاحم أنه كان بها ما يزيد على مائة وعشرين ألف مجلد. وقال ابن الطوير: «إن خزانة الكتب كانت تحتوي على عدة رفوف، والرفوف مقطعة بحواجز وعلى كل حاجز باب بقفل بمفصلات، وبها من أصناف الكتب ما يزيد على مائتي ألف كتاب».

 

أما بيت الحكمة القيرواني فقد أسسه إبراهيم الثاني الأغلبي (261 – 266هـ) في مدينة رقادة، وجعل منه مكتبة ودار ترجمة، فحينما قامت دولة الأغالبة في تونس (184هـ) نافسوا عاصمة الخلافة التي كانوا يستمدون منها المدد والعون. وكان بيت الحكمة يشتمل على خزانة كتب، وقاعات لحفظ الآلات الفلكية. وكان هواة المخطوطات يأتون إليه من كل مكان لمطالعة المخطوطات ومراجعتها. وقد اتخذ الفاطميون من بيت الحكمة محلا لمجلس الدعوة الإسماعيلية ومناظرة علماء السنة. وكان الأمير إبراهيم الثاني الأغلبي يرسل في كل عام سفارة إلى بغداد، ويسند إليها مهمة البحث عن نفائس الكتب، واستجلاب العلماء من العراق ومصر.