Skip Ribbon Commands
Skip to main content
 
 
 
 

مناسبات
 
شهر رمضان بين الواقع والمأمول
 
د.خالد راتب
 
دكتوراه في الشريعة الإسلامية
 
الكل يعرف فضل رمضان، وأنه شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، والكل يستعد له، فأهل الطاعة يستعدون له بعزيمة قوية وروح عالية، لتزكية نفوسهم، والرقي قدما في طهارة القلب والمجتمع، ويكون الاستعداد بوضع الخطط، وتحديد الهدف، ومعرفة ماذا يريد منهم شهر القرآن والصيام والجود والكرم..
 
وأهل المعصية يستعدون كذلك لرمضان؛ حيث يدخلون على رمضان ولا هَمَّ لهم بالليل والنهار إلا تحصيل الملذات والشهوات، بل وتزداد معاصيهم في شهر رمضان، ويصدون غيرهم عن ذكر الله وعن الفرائض؛ وذلك بملء أوقاتهم باللهو كالمسلسلات والأفلام...
 
إن واقع كثير من الصائمين في رمضان - ناهيك عن الذين لا فرق عندهم بين رمضان وغيره - مؤلم ومحزن؛ فهناك سلوكات سلبية تظهر من الصائمين لا تتناسب مع: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة:183)، ولا مع الإيمان والاحتساب المطلوب تحققهما في رمضان وغيره، ولا مع شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، ولا مع شهر الانتصارات على النفس والهوى والشيطان والأعداء..
 
إنك ترى فضولا كبيرا من الصائمين وإسرافا بكل ما تحمل الكلمة من معان، فهناك إسراف في المأكل والمشرب، فما حرموا منه بالنهار يعوضونه في الليل إسرافا وتبذيرا!.
 
وإسراف في النوم في نهار رمضان؛ ويا ليت النوم من كثرة القيام والتهجد، ولكنه النوم من كثرة السهر أمام المحرمات وما يغضب الله، وبعض الناس ينام من بعد السحور حتى قبل أذان المغرب بدقائق معدودة؛ ليواصل السهر مرة أخرى!
 
وقد كان سلفنا الصالح أشد الناس حرصا على أوقاتهم، وخصوصا في الأزمنة الفاضلة كشهر رمضان، فكان نهارهم صياما بكل ما تحمله الكلمة وإمساكا كاملا عن كل المحرمات، وشغل اللسان والجوارح بالطاعات (قراءة القرآن والذكر، والدعاء والصدقات وإطعام الطعام، وتفطير الصائمين...)، وليلهم قيام واستغفار، {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا } (السجدة:16)، ثم بعد ذلك قلوبهم وجلة ألا تقبل منهم الأعمال، فهم في وصال دائم بربهم.
 
قال ابن رجب في لطائف المعارف: «كان بعض السلف يختم في قيام رمضان كل ثلاث ليال، وبعضهم في كل سبع، منهم قتادة، وبعضهم في كل عشر، منهم أبورجاء العطاردي، وكان السلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها، كان الأسود يقرأ في كل ليلتين في رمضان، وكان الحنفي يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة، وفي بقية الشهر في ثلاث، وكان قتادة يختم في كل سبع دائما، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر كل ليلة، وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرأها في غير المصحف، وعن أبي حنيفة نحوه. وكان قتادة يدرس القرآن في شهر رمضان، وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: فإنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام».
 
ونرى في رمضان إسرافا في الكلام دون ضابط، والتحدث فيما لا يعني المرء، وقد قال  " صلى الله عليه وسلم" : «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، والتكلم فيما لا يعني المرء عاقبته وخيمة، عن أبي هريرة  "رضي الله عنه"  قال: قتل رجل على عهد رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  شهيدا؛ فبكت عليه باكية، فقالت: واشهيداه، قال: فقال النبي  " صلى الله عليه وسلم" : «ما يدريك أنه شهيد؟ لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه، أو يبخل بما لا ينقصه».
 
وقال الحسن: من علامة إعراض الله تعالى عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه، وقال سهل بن عبدالله التستري: من تكلم فيما لا يعنيه حرم الصدق، وقال معروف: كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من الله.
 
وقال محمد بن عجلان: إنما الكلام أربعة: أن تذكر الله، وتقرأ القرآن، وتسأل عن علم فتخبر به، أو تكلم فيما يعنيك من أمر دنياك. وقال رجل لسلمان: أوصني، قال: لا تكلم، قال: ما يستطيع من عاش في الناس أن لا يتكلم، قال: فإن تكلمت، فتكلم بحق أو اسكت.
 
ولا يقتصر الأمر على التدخل فيما لا يعني المرء، بل يتعدى إلى الغيبة والنميمة والسباب وقول الزور والتقاتل، وهذه الفئة من الناس لا حظ لها في رمضان إلا الجوع والعطش، عن أبي هريرة  "رضي الله عنه"  قال: قال رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" : «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».
 
ومن السلبيات الواضحة لبعض الصائمين تضييع أوقات العمل بحجة الصيام والقيام، فيذهب متأخرا إلى عمله وينصرف مبكرا مضيعا حقوق الناس!. متناسيا حقوق العمل عليه من الإتقان الذي يحبه الله، قال  " صلى الله عليه وسلم" : «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه».
 
ونشاهد التخاصم والتدابر في شهر الصفاء والمودة والمحبة بين أفراد الأسرة، وبين الأقارب والجيران.. وقد وصى الله عباده بالتعارف والتعاون: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى  وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ  وَاتَّقُوا اللَّهَ  إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (المائدة:2).
 
ومن السلبيات والمخالفات التي يقع فيها الصائمون التشرذم والافتراق والاختلاف الذي يؤدي إلى الفشل وذهاب القوة: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ  وَاصْبِرُوا  إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (الأنفال:46).
 
وقد أمرت الأمة الإسلامية بالاعتصام والاتحاد، وهذا هو الهدف الأساسي من العبادات، فالصلاة في جماعة باب من أبواب التعارف والتقارب، والزكاة تهدف إلى توثيق العلاقة بين أفراد المجتمع الواحد، والصيام باب من التكافل الاجتماعي، والتوحد الشعوري والقلبي والعملي، وذلك يظهر عند إمساكهم وإفطارهم، وكذلك الحج مؤتمر التعارف العالمي، فالعبادات كلها توحدنا.. فلماذا نحن نتفرق ونتشرذم؟!
 
ومن المحزنات التي يندى لها جبين الأحرار ما يحدث لإخواننا المسلمين الذين يقفون وحدهم في وجه الباطل يستأصل شأفتهم، ويقضي على وحدتهم، عندما نرى المجازر والمذابح تحدث على مسمع ومرأى من العالم كله، ونحن صامتون مسرفون في الصمت! ناديت لو أسمعت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي.
 
هذا هو الواقع وبكل صراحة ودون تضليل، خلاف المأمول الذي يجب تحققه، فالمأمول تحقيق مقصد الصيام وهو: «التقوى وتربية النفس وتزكيتها، وتطهير الأخلاق، وتهذيب السلوك»، المأمول هو إيجاد عباد أولي بأس شديد في مواجهة شهواتهم وأنفسهم، ومواجهة أعدائهم، والفرصة سانحة الآن، والجو العام يساعد على ذلك، حيث تسلسل الشياطين، وغلق أبواب النيران، وفتح أبواب الجنان، ولا يتحقق هذا المأمول إلا عندما نعرف جيدا أن شهر رمضان هو ميلاد العالم كله؛ وذلك لأنه ميلاد الرسالة الخالدة التي نزلت على قلب محمد  " صلى الله عليه وسلم" : {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} (البقرة:185)، هذا الكتاب الخالد الذي نزل على الرسول الخاتم كان نقطة الارتكاز في تغيير العالم كله، وذلك لأن غايته الهداية: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (الإسراء:9). ولما كان شهر رمضان ميلادا جديدا لهذه الأمة كان اهتمام أصحاب رسول الله به عاليا، وكانوا يستعدون لهذا المولود - الذي سيدخل البهجة والطمأنينة على قلوبهم ونفوسهم، ويصنعهم خلقا آخر - قبل أن يأتيهم بستة أشهر.
 
فالأمل الذي ننتظره في رمضان أن يحدث فينا تغيرا شاملا وكاملا في حياتنا، سيتحقق.. ولكن بشرط أن تكون البداية من {وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} والنهاية بـ{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة:183)، ولا يحدث هذا التغيير بالتمني ولكن لابد من إرادة التغيير والسعي الحثيث الجاد نحو التغيير الشامل والكامل، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (الرعد:11).
 
وحقيقة التغيير الاستمساك بالوحي: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (الزخرف:43)، وإن كان الخطاب للرسول  " صلى الله عليه وسلم"  وهو خير من تمسك بالقرآن، فالأمر أولى وأولى لكل فرد في أمته، فنحن لا نريد أمة متسابقة في القراءة والحفظ فقط، بل نريد أمة التسابق في التمسك والاعتصام بالقرآن والسنة المطهرة.
 
نأمل في شهر رمضان - شهر الصيام والقيام والمسارعة في الطاعات - أن يصنع لنا الرجال الذين يصدقون مع الله في نياتهم وأعمالهم، نريد «رمضان بدر» اقتداء بكتيبة الإيمان التي صامت إيمانا واحتسابا فدمغت أهل الباطل وتوجت نصرها بفتح مكة..
 
نريد رمضان الذي نسترد فيه القدس من الصهاينة، ونسترد حريتنا ونحرر فيه أنفسنا من أنفسنا.