Skip Ribbon Commands
Skip to main content
 
 
 

محطات إيمانية مع شهر الصوم
 
د. محمد السقا
 
باحث أكاديمي
 
شهر رمضان ليس كبقية الشهور، أيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، الشياطين فيه مغلولة محبوسة، ويزيد الله فيه الأرزاق ويكتب الآجال ويختار وفد الحاج إلى بيته الحرام.
 
إنه شهر التوبة، وشهر الإنابة، وشهر القرآن، وشهر الاستغفار، وشهر الدعاء، وشهر العبادة، وشهر الطاعة، وشهر المواساة، وشهر الصبر، وشهر العتق من النار، وشهر الفوز بالجنة.
 
أخي الصائم، يطيب لي أن أقف معك وقفات سريعة في عدة محطات في هذا الشهر الفضيل:
 
المحطة الأولى: تحقيق التقوى
 
شرع الله سبحانه وتعالى لعباده صيام شهر رمضان المبارك لتحقيق تقواه، يقول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } (البقرة:183).
 
قال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } فالصيام من أكبر أسباب التقوى، لأن فيه امتثالا لأمر الله تعالى واجتنابا لنهيه، فمما اشتمل عليه من التقوى: أن الصائم يترك ما حرم الله عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوها مما تميل إليه نفسه متقربا بذلك إلى الله تعالى، يرجو بتركها ثوابه، فهذا من التقوى.
 
ومنها: أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله سبحانه، فيترك ما تهوى نفسه، مع قدرته عليه، لعلمه باطلاع الله عليه.
 
ومنها: أن الصوم يضيق مجاري الشيطان فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، فبالصيام يضعف نفوذه وتقل منه المعاصي.
 
ومنها: أن الصائم في الغالب تكثر طاعاته، والطاعات من خصال التقوى.
 
ومنها: أن الغني إذا ذاق ألم الجوع أوجب له ذلك مواساة الفقير المعدم، وهذا من خصال التقوى.
 
المحطة الثانية: الدعاء
 
من فضائل هذا الشهر المبارك أن الدعاء مستجاب فيه؛ لحديث أبي هريرة  "رضي الله عنه"  عن النبي  " صلى الله عليه وسلم" : «ثلاث لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم» (حديث صحيح، رواه الترمذي وابن ماجه 1752).
 
فالصائم حين يصوم يصبح منكسر القلب، ضعيف النفس، ويذل جموحه، ويقترب من ربه تعالى، ويترك الطعام والشراب طاعة لله تعالى، ويكف عن الشهوات استجابة لرب الأرض والسموات.
 
المحطة الثالثة: الصبر
 
إن شهر رمضان فرصة عظيمة لتقوية الإرادة وصدق العزيمة، والانتصار على النفس والتسامي بها فوق الشهوات، والترفع عن الأحقاد والضغائن والكراهية والعناد. فهو شهر الصبر، والصبر جزاؤه عظيم كما قال تعالى: { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } (الزمر:10).
 
قال ابن رجب الحنبلي: «والصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر على محارم الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة». وتجتمع الثلاثة في الصوم، فإن فيه صبرا على طاعة الله، وصبرا عما حرم الله على النفس والبدن، لأن العبد يترك شهواته لله ونفسه قد تنازعه إليها، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن الله عزوجل يقول: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي، وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي».
 
فالصوم يختص، من بين باقي الأعمال، بأنه سر بين العبد وربه. والمطلب: مراقبة الله، وهذه المراقبة ما هي إلا صبر على تحري ما يرضي الله فيقبل عليه العبد، وعلى تحري ما يغضب الرب فينفر منه العبد. فاصبر على مراقبة الله.
 
أقول: فالذي صبر على هذه الأمور، ولا يخرج من رمضان رجلا صبورا فقد فاته خير كثير، وحرم نفسه فرصة عظيمة جدا لاكتساب هذه الصفة، وهي صفة الصبر، والتي هي من أخلاق الأنبياء والرسل.
 
المحطة الرابعة: تلاوة القرآن
 
رمضان شهر القرآن، قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ  فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ  وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (البقرة:185).
 
وإن ابتداء نزول القرآن في رمضان دليل على أهمية رمضان من جهة، ودليل على أنه من المهم التزام القرآن فيه، تلاوة وحفظا وتفسيرا وتدبرا وعملا وتطبيقا. فنزول القرآن، الذي هو النعمة العظمى، تزامن في رمضان، الذي هو المنحة العظمى. فالذي يعطل القرآن ليس له حظ في رمضان.
 
وتلاوة القرآن في شهر رمضان، والاستماع إليه، ومدارسته، وتدبر أحكامه.. من أعظم القربات التي يتقرب بها الصالحون إلى الله تعالى في هذا الشهر.
 
ففي الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «كان النبي  " صلى الله عليه وسلم"  أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن...» (الحديث).
 
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: «ودل الحديث أيضا على استحباب دراسة القرآن في رمضان، والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له. وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان».
 
وفي حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أن المدارسة بينه  " صلى الله عليه وسلم"  وبين جبريل كانت ليلا، فدل ذلك على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلا، فإن الليل تنقطع فيه الشواغل، وتجتمع فيه الهمم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر.
 
وفي الختام
 
فإن الصيام جنة من النار، وإنه جنة من الشهوات، وإن في الجنة بابا يقال له الريان لا يدخل منه إلا الصائمون، وإن الصيام شفيع لصاحبه. وهو كفارة ومغفرة من الذنوب، وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. الصيام سبب للسعادة في الدارين.
 
فيا من ضيع عمره في غير الطاعة، يا من فرط في شهره، بل في دهره وأضاعه! يا من بضاعته التسويف والتفريط، وبئست البضاعة، يا من جعل خصمه القرآن وشهر رمضان، كيف ترجو ممن جعلته خصمك الشفاعة؟!
 
رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، وقائم حظه من قيامه السهر.
 
اللهم بلغنا رمضان.. اللهم بلغنا رمضان.. اللهم بلغنا رمضان.
 
واجعلنا من الصائمين القائمين فيه يا أرحم الراحمين.