Skip Ribbon Commands
Skip to main content
 
 
 

من إبداعات الدلالة القرآنية في آيات الصيام
 
د. مصطفى أحمد قنبر
 
باحث في العلوم اللغوية
 
الدوحة - قطر
 
لم يحظ كتاب سماوي بالتأمل والتدبر، ولم ينل قدرا من البحث والدرس مثل ما حظي به القرآن الكريم، فالتف حوله كل راغب في الهدى وباحث عن الحقيقة، وعلى مائدته الثرية جلس كل ذي علم يبتغي علما ندر أن يجد ضالته إلا في هذا الكتاب المعجز.
 
وما أروع ما كتبه فقيه العربية العالم الموسوعي جلال الدين السيوطي يرحمه الله في هذا المقام، إذ يقول: «إن كتابنا القرآن لهو مفجر العلوم ومنبعها ودائرة شمسها ومطلعها، أودع فيه سبحانه وتعالى علم كل شيء، وأبان فيه كل هدى وغي، فترى كل ذي فن منه يستمد، وعليه يعتمد: فالفقيه يستنبط منه الأحكام ويستخرج حكم الحلال والحرام، والنحوي يبني منه قواعد إعرابه ويرجع إليه في معرفة خطأ القول من صوابه، والبياني يهتدي به إلى حسن النظام ويعتبر مسالك البلاغة في صوغ الكلام. وفيه من القصص والأخبار ما يذكر أولي الأبصار. ومن المواعظ والأمثال ما يزدجر به أولو الفكر والاعتبار إلى غير ذلك من علوم لا يقدر قدرها إلا من علم حصرها، هذا مع فصاحة لفظ وبلاغة أسلوب تبهر العقول وتسلب القلوب، وإعجاز نظم لا يقدر عليه إلا علام الغيوب» (1).
 
ألفاظ منتقاة في نسيج لغوي بديع
 
وإذا تأملنا آيات الصيام في هذا الكتاب المعجز، استوقفتنا الكثير من النكات في مكوناتها من ألفاظ منتقاة، وتراكيب انتظمت في مواقعها في هذا النسيج اللغوي البديع. نكتفي هنا ببيان ما جاء في الآية الأولى، إذ يقول البارئ جل في علاه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة:183).
 
وأول ما نطالعه أن هذه الآية الكريمة الأولى تضمنت حكما شرعيا لركن من أركان الإسلام، وهو فرض الصيام لشهر واحد في العام هو شهر رمضان. وقد تضافرت العناصر اللغوية في هذا الخطاب القرآني داخل تراكيب بديعة لإخراج هذا البيان القرآني الفريد على النحو الذي نراه، وما كان لعناصر غيرها أن تؤدي دورها الدلالي، وما كان لمواقعها في التراكيب أن تتبدل مؤدية المعنى والدلالة نفسيهما، فسبحان من هذا كلامه!
 
فما بين الأسلوب الإنشائي الطلبي {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} في المفتتح، وأسلوب الترجي {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} في المختتم، تلقى أصحاب عقيدة التوحيد رسالة ربهم في فريضة الصيام عبر عناصر لغوية وتراكيب فصيحة واضحة المضمون، عميقة الدلالة.
 
النداء بأحب صفة للمؤمنين
 
بدئ النص الكريم بأسلوب النداء تنبيها وجذبا للمتلقين بالأداة: «يا»، التي تستخدم لنداء البعيد، مسافة أو حكما، وقد ينادى بها القريب توكيدا (2). وكلا التعليلين، البعيد مكانة والقريب توكيدا، مقبول هنا. ثم جاء المنادي بأحب صفة للمعنيين بهذا التكليف، إنها صفة الإيمان التي تميز هؤلاء عن غيرهم، وتلك صفة جعلتهم أهلا لفرض هذه الشعيرة عليهم بكيفية مخصوصة فصلتها الآيات التالية، كما هم أهل للاستجابة لكل ما يدعوهم إليه خالقهم: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (الشورى:38)، لأن في تلك الاستجابات الحياة الحقيقية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } (الأنفال:24).
 
ثم جاء جواب النداء بجملة فعلية فعلها ماض، بما يفيد إنفاذ الحكم وثبوته وأنه قد صدر فلا مراجعة، ولنتأمل قليلا الفعل: «كتب»، الذي تصدر هذه الجملة، إنه يحمل دلالة الإلزام لكل مخاطب من جماعة المؤمنين، وذلك قبل أن يعرف نائب الفاعل الذي يترتب عليه نوع الاستجابة لهذا الفعل. وإذ جاء هذا الفعل على صيغة ما لم يسم فاعله، فلأن الفاعل معروف للمقصودين بالنداء، وهو الشارع الحكيم تبارك وعلا، أو لتعظيم المكتوب (الصيام)، ولتنصرف الأهمية هنا لمضمون الفعل ودلالاته.
 
أما نائب الفاعل (الصيام)، فقد تأخر ليتقدم عليه الجار والمجرور (عليكم)، بما يفيد تخصيص المخاطبين هنا بالحكم دون غيرهم، وفي هذا التخصيص عناية تشريف وتعظيم لهم، وليس تكليف مشقة وتعذيب، وفي ذلك أيضا تأكيد الإلزام والفرض. ثم يأتي نائب الفاعل، وهو المقصود بالإلزام والفرض، في الفعل «كتب» إنه «الصيام» بعد أن تهيأت نفوس المتلقين له.
 
السياق التاريخي للفريضة
 
إلى هنا كملت الرسالة، ووصل مضمونها إلى المتلقين المعنيين بها، وهم جماعة المؤمنين، وما عليهم إلا السمع والطاعة كما في كل أوامر التكليف. لكن هذا النص الشريف لم يقف عند هذا، بل تطرق إلى السياق التاريخي لهذه الفريضة، ربما ليلقي شيئا من الطمأنينة في نفوس المكلفين، حيث قد تساورهم بعض الشكوك في عدم المقدرة على القيام بهذه الشعيرة، أو ملاقاة المشقة والتعب والإنهاك البدني، بيد أن هذه النفس ما عهدت من بارئها إلا اليسر لا العسر: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة:286)، فتأتي الصورة التشبيهية: {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } تهدئة لهذه النفوس القلقة، ونشرا للسكينة في جنباتها.
 
التقوى الغاية والثمرة
 
ثم ترتفع معنويات هذه النفوس بعد أن زالت عنها الهواجس حين تنبأ من الشارع لهذه الفريضة جلت حكمته، أن الغرض من ذلك كله جائزة كبرى، وهدف أسمى، وغاية عظمى، إنها التقوى! وما أدراك ما التقوى عند هذه الجماعة المؤمنة؟ إنهم «يعلمون مقام التقوى عند الله، ووزنها في ميزانه. فهي غاية تتطلع إليها أرواحهم. وهذا الصوم أداة من أدواتها، وطريق موصل إليها. ومن ثم يرفعها السياق أمام عيونهم هدفا وضيئا يتجهون إليه» (3). وهو ما عبر عنه التركيب التالي: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
 
يقول العلامة الطاهر بن عاشور في تفسيره: «وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}بيان لحكمة الصيام وما لأجله شرع، فهو في قوة المفعول لأجله لكتب. و«لعل» إما مستعارة لمعنى كي استعارة تبعية، وإما تمثيلية بتشبيه شأن الله في إرادته من تشريع الصوم التقوى بحال المترجي من غيره فعلا ما. والتقوى الشرعية هي اتقاء المعاصي، وإنما كان الصيام موجبا لاتقاء المعاصي، لأن المعاصي قسمان: قسم ينجع في تركه التفكر كالخمر والميسر والسرقة والغصب فتركه يحصل بالوعد على تركه والوعيد على فعله والموعظة بأحوال الغير، وقسم ينشأ من دواع طبيعية كالأمور الناشئة عن الغضب وعن الشهوة الطبيعية التي قد يصعب تركها بمجرد التفكر، فجعل الصيام وسيلة لاتقائها، لأنه يعدل القوى الطبيعية التي هي داعية تلك المعاصي، ليرتقي المسلم به عن حضيض الانغماس في المادة إلى أوج العالم الروحاني، فهو وسيلة للارتياض بالصفات الملكية والانتفاض من غبار الكدرات الحيوانية» (4).
 
ديمومة العطاء
 
هنا تعلو الهمم وتشحذ العزائم.. إنها ثمرة ليست وقتية أو آنية، إنها مستمرة ودائمة. ولحلو مذاقها وجمال شكلها ولذة طعمها، ترغب نفوس هؤلاء الذواقين في ديمومتهم معها، فلا يكتفون بالأيام المعدودات، بل يسعون إلى اغتنام السنن من شوال وذي الحجة والمحرم...؛ لأنهم علموا ما في هذه الشعيرة من الخير الكثير. وعلى قدر وعظم الجائزة يكون العمل والسعي لها.
 
هكذا كانت الرسالة، وبهذه الكيفية تلقتها ووعتها العقول المؤمنة. مذ اشرأبت الأعناق لمعرفة الحكم والمعنيين به حتى بلوغ الهدف الآني والآجل من هذا الركن العظيم، وما تخلل ذلك من عناصر لغوية هيأت المتلقين لقبولها وساهمت في إبراز هدفها. كل هذا جعل أفئدة المؤمنين تلهج بالسمع والطاعة لحكم الشارع جلت حكمته. فسبحان من هذا كلامه!
 
وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
 
الهوامش
 
1 - السيوطــي (ت 911 هـ): الإتقان في علوم القرآن، الهيئة المصرية العامة للكتاب (1394هـ/ 1974م)، ج1، ص17.
 
2 - انظر: ابن هشام: مغني اللبيب، تحقيق: مازن المبارك ومحمد علي حمد الله، دار الفكر، بيروت، ط5، (1979م)، ص354، 355. ود. إبراهيم حسن إبراهيم: أسرار النداء في لغة القرآن الكريم، مطبعة الفجالة، القاهرة، (1978م) ص9.
 
3 - سيد قطب: في ظلال القرآن، دار الشروق، بيروت/ القاهرة، ط 17، (1412هـ)، 1/168.
 
4 - الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير، «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»، الدار التونسية للنشر، تونس، (1984م)، ج 2، ص158.