Skip Ribbon Commands
Skip to main content
 
 
 

حوار
 
د. عبدالمقصود عبدالحميد باشا رئيس قسم التاريخ والحضارة بجامعة الأزهر:
 
ليس في التاريخ الإسلامي نقاط ضعف
 
القاهرة - إسلام لطفي
 
تصوير: رمضان إبراهيم
 
دار الإعلام العربية
 
14.jpg

هل هناك حقا نقاط ضعف في كتابة التاريخ الإسلامي؟ هل يمكن إعادة كتابة التاريخ، أم من الأجدى تفنيد السلبيات التي شابت كتابته، إن وجدت؟ وما دور الباحث المنصف في هذا المجال؟ كل هذه الأسئلة وغيرها يجيب عليها الدكتور عبدالمقصود عبدالحميد باشا، رئيس قسم التاريخ والحضارة في كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، في حواره مع «الوعي الإسلامي»، لافتا إلى أن ما يظنه البعض بأنه نقاط ضعف قد يكون أمانة المؤرخين في رصد أدق التفاصيل، من وجهة نظرهم.
 
< العديد من المؤلفات تباينت بين المكاني، مثل «تلمسان»، والمعرفي مثل «عبدالحميد بن باديس»، والتقييمي مثل «منهج نورالدين محمود في الحكم والقيادة».. من هذا المنطلق كيف ترى مكانة التاريخ العربي؟
 
- التاريخ وعاء الزمان، والجغرافيا وعاء المكان، فوعاء الزمان يقول فيه الحكيم العربي: «ليس بإنسان ولا عاقل من لا يعي التاريخ في صدره.. ومن درى أخبار من قبله أضاف أعمارا إلى عمره»، وتاريخ أي دولة لا نستطيع أن نقول إنه كتب بشكل صحيح بنسبة 100 في المئة، فلدينا تاريخ ما قبل الإسلام بالنسبة إلى الجزيرة العربية، هناك المعلقات لشعرائنا قبل الإسلام، أرخوا للجزيرة وتاريخها وأمجادها، لكن في عصر الرسول  " صلى الله عليه وسلم" ، جاء القرآن الكريم ليكون أدق مؤرخ لكثير من الأحداث السابقة والمعاصرة والمستقبلية.
 
وإذا أردنا أن نطلع إلى تاريخ أمة من الأمم، فليس معنى هذا أن كل ما نطلع عليه صوابا، فلا يستطيع مؤرخ أن يكتب التاريخ مجردا بنسبة 100 في المئة، بل لابد لكاتب التاريخ ألا يترك بصمته الشخصية، ولذلك علينا نحن كباحثين في التاريخ أن ننظر إلى ما هو صواب وإلى ما هو خطأ، ونقيم كل صفحة كتبت فيه، فالذي هواه مع سلطة ما، يكتب من وجهة نظره ما يؤيد هذه السلطة، والذي ضد سلطة ما ينعكس هذا الفكر على كتاباته.
 
ومن هنا، إذا نظرنا إلى تاريخ الفرس أو الروم، فسنجد بصمات فردية، ومن هنا يجب علينا كباحثين في التاريخ ألا نأخذ هذه القضايا على أنها مسلمات، هذا غير ما أخبر به القرآن ورسول الله  " صلى الله عليه وسلم" ، أما ما حدث من حروب واقتتال بين المسلمين أو الفرق الإسلامية، فهذه تحكمت فيها أهواء أشخاص، فمثلا كان الأمويون يناصرون بني أمية في دمشق، وبني أمية من قريش، وعندما هاجم جيش يزيد بن معاوية المدينة المنورة في موقعة الحارة الشهيرة، كان والي المدينة قرشيا أيضا، وكان كثير من سكان المدينة قرشيين، لكن العصبية تغلبت. ومن هنا، إذا أردنا أن نتحدث عن تاريخ فترة أو حاكم معين فلا نستطيع أن نحكم عليه حكما صحيحا إلا بعد مضي الجيل الذي عاصره والجيل الذي تلاه، حتى نكتب بحيادية كاملة.
 
< وهل التاريخ العربي بحاجة إلى أن يكتب من جديد كما يقول البعض؟
 
- التاريخ يجب أن يبقى كما كتبه أصحابه، ويبقى النقد، ليخرج النقاد والمؤرخون الجدد ليؤرخوا تاريخا جديدا مع الاحتفاظ بالقديم حتى يرجع إليه من يريد، فربما الأجيال المقبلة تختلف رؤيتها عن رؤيتنا، وقد يكتبون أيضا مستعينين بأفكارنا وبأفكار من سبقونا.
 
وعند تحليل الأحداث نجد من يلتمس الأعذار للبعض، ولابد من الموازنة بين المؤيد والمعارض. وفي تفسير الأحداث نجد إيجابيات عديدة، فأين الباحث في التاريخ، ولا يكون التقييم صحيحا إلا بعد مضي 50 عاما على الأقل.
 
< وماذا عن التاريخ الإسلامي؟
 
- التاريخ الإسلامي هو التاريخ العربي، لأن العرب لم يبدأ تاريخهم الحقيقي إلا مع ظهور الإسلام، وكانت هناك استهانة بالعرب، فتاريخ العرب لم يبدأ جديا إلا بعد ظهور الإسلام. والتاريخ الإسلامي تعرض لتشويهات كثيرة، وبكل أسف، ألصق التاريخ بالإسلام، لكن يجب ألا يلصق تاريخ ولا أفراد ولا تصرفات دول بالإسلام، لأن الإسلام قائم بذاته.
 
وأعجب كثيرا حينما يقول أحدهم إن الإسلام يقول كذا، بينما هو في الحقيقة يعبر عن نفسه، والأجدى أن يقول: قال الله سبحانه وتعالى أو قال الرسول  " صلى الله عليه وسلم" ، فلنأت بالآية أو الحديث، ثم نقول: تفسيرها في رأيي كذا، وليس تفسير الإسلام، فلا أحد يفهم تفسير الإسلام الحقيقي، بدليل أن المفسرين السابقين للقرآن الكريم والأحاديث الشريفة فسروا آيات القرآن بأشياء ما عدا الآيات المحكمات، لأن هناك آيات محكمات لا تقبل التأويل أو الاجتهاد، مثل آيات الميراث، وهناك أحكام في القرآن الكريم لا تقبل النقاش، إنما نأتي إلى بقية آيات القرآن، كما قال الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله: «إذا نظرنا إلى قصة سيدنا موسى، فسنجد أنها وردت في عدة سور، لكن قد يتوهم البعض أنها جاءت في سور متعددة لتؤدي الغرض نفسه، لكنها جاءت في سور متعددة لأن كل آيات في كل سورة أدت غرضا معينا لا يمكن أن يكون مكانها في موضع آخر». وبالتالي، إذا أردنا أن نتحدث في التاريخ الإسلامي فيجب أن نحدده وفق فكرنا ورؤيتنا، وعدم إلصاقه بالإسلام، لأنه حجة علينا ولسنا نحن حجة على الإسلام.
 
< هل في التاريخ الإسلامي نقاط ضعف؟
 
- ليس في التاريخ الإسلامي نقاط ضعف، فما يظنه البعض «نقاط ضعف» هو أمانة أئمتنا المؤرخين، التي أملت عليهم أن يذكروا كل صغيرة وكبيرة، ويجب أن نشكر الله على أمانتهم، فهم لم يزيفوا، إنما سجلوا كل ما وصل إليهم، سواء كان صوابا أو غير ذلك، تاركين لنا حرية النقد.
 
طعنات المستشرقين
 
< يحفل التاريخ الإسلامي بالعديد من الفتن التي لعب المستشرقون دورا في تحويرها لتخدم أغراضهم.. فكيف يتصدى المؤرخ العربي والمسلم لطعنات المستشرقين؟
 
- دعوت منذ زمن بعيد إلى ضرورة تعلم لغات أهل الأرض، وقد سبقنا إلى ذلك رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" ، حينما أمر بعض أتباعه بتعلم لغات الناس في عصره، فبعضهم تعلم الفارسية والبعض العبرية، وغير ذلك، وكان سيدنا عمرو بن العاص  "رضي الله عنه"  يجيد لغة الحبش في أفريقيا وكذلك اللغة القبطية الخاصة بأهل مصر، واللغة الرومانية التي كان يتحدث بها الرومان في بلاد الشام، إضافة إلى إجادته للغة العربية، لذلك إذا أردنا أن نقف على فكر هؤلاء المستشرقين فيجب أن نتعلم لغاتهم، فلماذا يتفوقون علينا ويكتبون عن تاريخنا وعن تفسير آيات القرآن وسنة النبي  " صلى الله عليه وسلم" ، لأنهم أجادوا اللغة العربية الفصحى وفهموها، وتأولوا عليها.. وإذا أردنا تقييم المستشرقين فقليل منهم منصفون وغالبيتهم ليسوا كذلك، فالمنصفون نظروا بعين الحق والحقيقة، وغير المنصفين نظروا بعين الحقد، فما أمر الإسلام إلا بكل خير ومعروف، ومبادئ الإسلام شيء وتصرفات المسلمين شيء آخر، ومبادئ المؤرخين المسلمين الذين كتبوا التاريخ حسب ما وصلهم شيء، ونقدنا لهم شيء آخر.
 
< وهل استفاد العرب من المستشرقين؟
 
- بالفعل، فلدينا المؤلف الإنجليزي سير توماس أرنولد، الذي يجيد العربية وله العديد من الكتب عن الإسلام، مثل كتابه «الدعوة إلى الإسلام»، رغم أنني أخرجت في الكتاب 315 خطأ، فإنه يعتبر من أفضل الكتب، وهناك كتب كثيرة، وهناك المفسدون الذين استفدنا منهم أيضا، فليس هناك من يعتقد أن فكره فاسد، فكل من يكتب يعتقد أن فكره هو الصواب، وبالتالي لابد أن تخاطبه من موقعه هو، من حيث فكره، وترد على الثقافة بثقافة، واللغة بلغة، وكثير من هؤلاء لم يفقهوا دقائق اللغة العربية، لأن لها دقائقها البعيدة التي لا يفهمها المستعربون بل لا يفهمها إلا كبار المتخصصين.
 
ومن الضروري معاملة الناس بفكرهم، وأحمد الله أنني نجحت أخيرا في أن أدخل قرار تعلم اللغات إلى قسم التاريخ بجامعة الأزهر، وصدر قرار من مجلس الجامعة بأنه على كل طالب يريد أن يسجل رسالة الماجستير أو الدكتوراه أن يحصل على درجة «التويفل» أو ما يعادلها في المنطقة التي سوف يؤرخ لموضوعه فيها، وهذه خطوة كبيرة للأمام في الدراسات التاريخية، ومن يرد أن يدرس في الصين فليتعلم اللغة الصينية.. اللغة الإنجليزية هي المسيطرة والمهيمنة على العالم، لكن من الأفضل أن يتعلم لغة أهل البلد الذي سيؤرخ عنه.
 
< وهل نجح العرب والمسلمون في أن يقوموا بدور مضاد عن طريق الاستغراب؟
 
- العرب والمسلمون متفوقون في مجالات متعددة كالطب والهندسة وغيرها، وإذا قرأنا تاريخ ألمانيا فسنعرف مدى تأثير المسلمين في نهضة ألمانيا الحديثة، وأعرف أن مهندسا مصريا هو الذي أنشأ مترو الأنفاق، ولدينا العديد من العلماء.
 
الحضارات دول
 
< يتهمنا الغرب بأننا أمة تعتمد على تاريخها فقط.. كيف ترى ذلك؟
 
- في الوقت الحالي نعم، لكن من الذي تسبب في هذا؟ حينما يعجز الإنسان ويكون غير قادر على الحركة، أو أن يكون فاعلا في المجتمعات فإنه دائما ما يلجأ إلى أجداده وآبائه، ليفتخر بهم، ويجب أن نعلم أن الحضارات دول، وأي حضارة لابد أن تتعرض للهزيمة يوما، فالفرس وصلوا إلى القمة لكنهم بلغوا نهاية الضعف قبل الإسلام، حينما أشيعت الديانة المانوية وغيرها من الديانات التي فجرت الانحطاط الأخلاقي في الدولة الفارسية فأبيدت، وكذلك الإمبراطورية الرومانية وغيرها. والحضارة الإسلامية باقية الآن في نشأتها، كتبها، تراثها، والعلماء الموجودين في الوقت الحالي.
 
< إذن.. هل ستشهد الحضارة الإسلامية بعثا جديدا بعد أن طمست؟
 
- بالتأكيد، لأن الله سبحانه وتعالى قال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر:9)، وقال رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" : «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي»، فالاستمساك بحبل الله المتين وبسنة  " صلى الله عليه وسلم"  هو سبيل النهوض الحقيقي لأمة الإسلام، وسوف يأتي الزمن، آجلا أم عاجلا، لنهضة المسلمين من جديد، وقد بشرنا الرسول  " صلى الله عليه وسلم"  بأن الحجر والشجر سينطق أمام المسلم.