Skip Ribbon Commands
Skip to main content
 
 

لزيادة الوعي بقيمته الحضارية
 
مؤتمرات: احتفالية يوم المخطوط العربي تدعو إلى نشر ثقافة التراث
 
القاهرة:
 
دار الإعلام العربية
 
 
احتفالية المخطوط العربي تدعو إلى نشر ثقافة التراث


20.jpg


دعت احتفالية يوم المخطوط العربي، التي أقيمت للعام الثالث على التوالي في العاصمة المصرية القاهرة وعدد من المدن الأخرى، إلى ضرورة نشر ثقافة التراث المخطوط لزيادة الوعي بقيمته الحضارية ودوره الرائد في بناء حضارات الشرق والغرب. وحثت الاحتفالية، التي نظمها معهد المخطوطات العربية، واحد من مؤسسات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، على ضرورة رد الاعتبار لتراث الأمة العربية والإسلامية، لاسيما في وقت يطالب فيه البعض بالقطيعة مع هذا التراث الذي قامت عليه حضارات اليوم.

وسيطرت على كلمات المشاركين في الاحتفالية الدعوة إلى تعزيز الوعي بأهمية التراث، والتصدي الحاسم لدعوات البعض بالانفصال عن تراث الأمة بدعوى مسايرة التطور النوعي الذي شهدته وسائل الاتصال الحديثة، فجاءت الاحتفالية إحياء للمخطوط العربي بكل ما يحمله من معارف وثقافات، لتوسيع آفاق العقل المعاصر، من خلال البناء على ما أنجزه السابقون من نجاحات أنارت مشاعل الحضارة لأمم الشرق والغرب.

ولم ينس القائمون على الاحتفالية رحلة تدوين المصحف الشريف، حيث اطلع الضيوف على معرض خاص لتلك الرحلة، وكان أبرز ما احتواه: إحدى النسخ القرآنية المنسوبة إلى ذي النورين (عثمان بن عفان  "رضي الله عنه" )، كتبت بالخط الكوفي غير المنقوط في 1087 ورقة من الرق، كانت محفوظة في المدرسة الفاضلية التي أنشأها القاضي الفاضل عبدالرحيم البياني، إضافة إلى قطعة خشبية كتبت عليها نحتا أوائل سورة النجم بالخط المدني (اللين) ترجع تقديرا إلى القرن الثاني الهجري.

كما اطلع الضيوف على جزء يشتمل على السبع الخامس من القرآن الكريم، يبدأ بالآية رقم 56 من سورة «المؤمنون» وينتهي بالآية رقم 20 من سورة «سبأ»، كتبه عمر بن محمد عام 505 هجرية.

وخلال أيام الاحتفالية في بيت السناري الأثري في حي السيدة زينب، التابع لمكتبة الإسكندرية، بالقاهرة، تم تناول عدد من أشهر مخطوطات التراث الإسلامي.

وشهدت الفعاليات التعريف بالمخطوط والحرف العربي من خلال معارض ومحاضرات مختلفة، لاسيما تناول صناعة الأحبار في المخطوطات العربية.

كما شهدت الفعاليات إطلالة على المخطوطات العربية والتركية بالخزانة التيمورية ودار الكتب، كما تمت مناقشة فن التصوير في المخطوطات الفارسية.

رد اعتبار

وخلال كلمته في الاحتفالية، قال مدير معهد المخطوطات العربية د. فيصل الحفيان، بمناسبة يوم المخطوط العربي 2015: «نطمح إلى أن يكون الاحتفال بيوم المخطوط العربي تقليدا راتبا لنا ولمن بعدنا. والاحتفال، كما هو معروف، من الطقوس الاجتماعية والرموز التي لا تكاد تخلو منها ثقافة من الثقافات، وكما أن للرمز الثقافي دلالات فإن له أيضا وظائف».

ولفت إلى دلالة يوم المخطوط قائلا: «الوعي بأهمية التراث ورد الاعتبار إليه بعد أن كاد يطويه النسيان جراء دعاوى القطيعة معه، حتى إن بعضهم ذهب إلى تحميل التراث مسؤولية كبوة الحاضر، وجعلوا من التخلي عنه شرطا للعبور إلى الحداثة».

وأضاف: «كلنا يذكر الدعوة إلى العامية، ودعوة استبدال الحرف اللاتيني بدلا من العربي، ودعوة تبسيط النحو العربي، وحذف الكثير من قواعده.. وكلها تشترك في هدف واحد، هو القطيعة مع التراث، وكأنهم لا يعرفون أن سرقة الماضي تقضي على كل أمل في المستقبل، وأن غياب التراث عن أفق الأمة يعادل فقد الإنسان لذاكرته، وكلنا يعرف أن فاقد الذاكرة لا يكاد يبقى له من الوجود شيء».

وأضاف: «القطيعة مع التراث هي بمنزلة فصل الرأس عن الجسد، وإذا قطع الرأس سقط الجسد ميتا في الحال. لذلك؛ فإن التراث يظل دوما هدفا رئيسيا من أهداف المعتدين».

ونفى الحفيان أن تكون إقامة يوم سنوي للمخطوط بمنزلة بكاء على الأطلال، مؤكدا أنها بمنزلة استشراف للمستقبل، ذلك بأنها دعوة إلى التعرف على الذات الجماعية والتاريخية، واستلهام الجذور والتسلح بالثقة.

ووجه حديثه إلى الشباب قائلا: «الأمة التي صنعت كل ذلك التراث لا يمكن أن تقنع بأن تبقى على هامش التاريخ، فلا تركنوا إلى كبوة الحاضر وتخلدوا إلى الأرض، بل انظروا إلى المستقبل، وأعدوا له العدة. اقرأوا التراث لتعرفوا أن ذاكرتكم الجماعية فيها الكثير والكثير. انفضوا الغبار عن أرفف المكتبات واقرأوا المخطوطات، وتذكروا أنه إذا كان العلم يتقدم، فهناك تراث الحكمة الذي لا يبلى».

إنتاج معرفة جديدة

إلى ذلك، أكد المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) د. عبدالله محارب، أن الحرص على الاحتفال بيوم المخطوط العربي يأتي لترسيخ هذا اليوم سنويا كنوع من الوفاء للتراث الإنساني الذي انتقل إلينا من خلال المخطوطات.

وأضاف: «يوافق الاحتفال اليوم الرابع من شهر أبريل من كل عام، والذي يوافق إنشاء معهد المخطوطات العربية قبل نحو سبعين عاما، وتحديدا في العام 1946م. ومن المعلوم أن كل قضايانا التربوية والثقافية والعلمية وحتى الاتصالية إنما هي رهن بالكتاب، وما المخطوط الذي نحتفي به إلا كتاب. صحيح أنه تاريخي، لكن، من قال إن المعرفة الأصيلة ينال منها الزمن أو يقلل من شأنها مرور الأيام؟ إن المعرفة التي تملك القدرة على أن تتجاوز الزمن وتصل إلينا هي معرفة مقاومة للموت، وإلا لما استحقت اسم تراث».

وشدد على أن الوفاء للمخطوط والقيام بحقه يكونان بإنتاج مخطوط جديد، أي معرفة جديدة، نحن مبتكروها، لا مستنسخوها ولا مقتبسوها ولا آخذوها من غيرنا.

كما شدد على أن ذلك لن يتحقق إلا بتوسيع قاعدة الإفادة من التراث، ولهذا كان يوم المخطوط مناسبة تربط بين الأجيال الجديدة وتراثها، ومن ثم دعم ذاكرته الحضارية، من خلال هذا التراث الذي يجعله أقدر على الحضور والمواجهة وصياغة حاضر ومستقبل جديدين.

وتابع: «ثمة بعد مهم ينبغي أن نلتفت إليه، وهو أن المعرفة التراثية التي يحملها المخطوط ليست كل شيء، فهناك أيضا الطاقة الروحية التي يختزنها، والتي تملك قدرة سحرية على إعادة صياغة البنيان النفسي لصاحب التراث، خصوصا في المراحل التاريخية التي يتعرض فيها هذا البنيان للاهتزاز، ولاشك أننا اليوم نمر بمرحلة خطيرة، حيث الانحسار الحضاري في أسوأ صوره، وحيث الاضطرابات والخلافات والصراعات. وليس كالتراث مشترك يمكن أن يمنح الطاقة ويخفف من الغلواء والشطط ويزرع الثقة بالمستقبل وبإمكان ولادة حضارية جديدة».

ارتباط الشباب بتراث أمتهم

بدوره، أوضح د. عبدالله عسيلان، الذي تم تكريمه كشخصية العام التراثية، أن الاحتفال بيوم المخطوط العربي إنما هو احتفاء بالتراث الإسلامي قاطبة، فمن خلاله تأكد للعالم أننا نملك رصيدا من العلم والمعرفة لا يوجد مثله عند أمة أخرى.

وتحدث عن رحلته مع المخطوطات قائلا: «المخطوطات لها تاريخ يتغلغل في أعماق وجداني، ويلقي ظله الوارف على دروب حياتي، إذ منها كانت بداية انطلاقي في مدارج العلم والمعرفة، فقد فتحت عيني على مجالي هيبتها ووقارها منذ وقت مبكر حينما كنت طالبا في المرحلة الإعدادية، أتلمس الطريق إلى النبع الذي يسد الغلة، ويطفئ أوار الظمأ، وأبحث عن مصادر النور الذي يبدد ظلمات الجهل، ويريد الله أن أجد ضالتي في مسجد رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  على يد بعض شيوخ العلم، ومن هنا بدأت مرحلة الشوق والحنين إلى لقاء الكتب واقتنائها».

وشدد د. عسيلان على ضرورة أن ترتبط الأجيال الجديدة بتراث أمتها، لتعي أي أمة عريقة تنتمي إليها. وفي الوقت ذاته، ليس مطلوبا من هذه الأجيال أن تركن إلى هذه المنجزات فحسب، بل عليهم أيضا إلى جانب اعتزازهم بهويتهم وأسلافهم وما قدموه للمعرفة والفكر الإنساني، أن يسيروا أيضا على درب أسلافهم بصناعة منجزات معرفية وفكرية جديدة، تعبر عنهم، وتساير التطور العصري برؤية تعبر عن الأمة العربية الإسلامية.

إسهامات حضارية

بدوره، أشار المؤسس والمدير الشرفي لمركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي د. فتحي صالح، إلى أن الاحتفال بيوم المخطوطات أمر مهم جدا، لأنه يوضح فترة نضوج الحضارة بانتقالها من قوم إلى آخرين، مشيرا إلى أن أقدم حضارتين هما المصرية والبابلية، ثم الفارسية، والإغريقية، والرومانية، ثم عصر النهضة في الغرب.

وأكد أن الأمة العربية تجهل الكثير من إسهامات حضارتها في التراث العالمي، مشيرا إلى أن الحضارة العربية كانت الغالبة منذ القرن العاشر إلى الخامس عشر، حيث ترجمت كل ما وقع تحت يدها من علم، عكس الحضارة البيزنطية التي كانت تحرم بعض الأشياء التي لا تتفق مع مفهومها.

كما لفت إلى أن الأمة امتلكت الحضارة عندما امتلكت المعرفة، كون الأخلاق والمعرفة والثروات هي أساس كل شيء.

وقال أستاذ علم اللغة في كلية الآداب بجامعة المنوفية د. خالد فهمي: «نشهد النسخة الثالثة من الاحتفال بيوم المخطوط العربي، الذي تكمن أهميته في وضع ملف المخطوطات على خريطة الاهتمامات العالمية».

وأضاف: «فعاليات الاحتفالية لها مميزات عديدة، منها أنها علمية تجمع شباب المحققين للقاء شيوخ المجال وخبرائه الكبار من المثقفين، علاوة على فتح آفاق للتعريف بالمخطوط وتقييمه، ومن هنا بدأنا نعي أهمية هذا المجال، والعمل على مواجهة العقبات التي تعترض طريق المخطوط ومن أبرزها نقص عمليات الفهرسة».

د. فيصل الحفيان: رد اعتبار للمخطوط ضد من جعلوا التخلي عن التراث شرطا للحداثة

د. عبدالله محارب: الوفاء للمخطوط يكون بإنتاج معرفة جديدة غير مأخوذة من الغير

تكريم

سلم الدكتور فيصل الحيفان والدكتور عبدالله محارب الدروع التذكارية إلى كل من: الدكتور عبدالله العسيلان (شخصية العام التراثية)، والدكتور أيمن فؤاد سيد (مترجم كتاب «المدخل إلى علم الكتاب المخطوط بالحرف العربي»)، وكذلك نجل الخطاط الراحل سيد إبراهيم.

د. عسيلان: بدأت مرحلة الحنين إلى لقاء الكتب واقتنائها من مسجد الرسول  " صلى الله عليه وسلم"

د. فتحي صالح: أمتنا تجهل كثيرا من إسهاماتها الحضارية في التراث العالمي