Skip Ribbon Commands
Skip to main content
 
 
 

​ملف العدد


 د. مسعود صبري


باحث في وزارة الأوقاف الكويتية


حديث القرآن عن الهوى


28.jpg


يظل القرآن الكريم هو مصدر المعرفة الأول للمسلمين في شتى أنواع المعرفة والثقافة، فالقرآن الكريم كتاب هداية في المقام الأول، وتلك الهداية الربانية أوسع من دلالة الهداية عند الفقهاء والعلماء، فالهدى هو إصابة الطريق القويم في كل شأن من شؤون الإنسان؛ دينا ودنيا، فالبحث عن المعرفة الصادقة التي تدل الناس على الحقيقة طريقها القرآن الكريم، كما قال الله تعالى مخاطبا أهل الكتاب والأمم: {قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ  قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (16)} (المائدة:15-16).


من هنا، كان واجبا على المفكر المسلم أن يكون القرآن مصدر المعرفة الأول عنده، مع ما حوته السنة النبوية من حكم بالغة وهدي قويم، يضيف إليها من تراث الأمم وتجاربها ما ينير طريقه الفكري. وتظل الدراسات القرآنية معينا لا ينضب، وبحرا ماؤه لا ينتهي، كيف لا وفي الأثر عن القرآن: «ولا يخلق من كثرة الرد».


ومن الموضوعات التي تناولها القرآن وأعطاها أهمية موضوع: «اتباع الهوى»، واتباع الأهواء ليس محصورا على الأفراد الآحاد، بل هناك اتباع للهوى عند المجتمعات والأمم والشعوب والحكومات، لكن يبقى الداء واحدا، والخطر يختلف من آحاد المجتمع إلى مجموعهم من الدولة والمجتمع.


تعريف الهوى في القرآن


فالهوى ميل الطبع إلى ما يلائمه. وهو بهذا المعنى لا يكون مذموما على الإطلاق، فتكون فيه القسمة العقلية من الهوى المذموم، والهوى المحمود، وهو ما يشهد له قول الله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ  إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } (القصص:50)، فبين القرآن أن هناك هدى من الله، وهو الهوى المحمود، وأن هناك هوى بغير هدى من الله.


حكمة الهوى


والحكمة من وجود الهوى في الإنسان وأن الله تعالى خلق الهوى فيه، أنه ضرورة لبقاء الإنسان، فإنه لولا ميله إلى المطعم ما أكل وإلى المشرب ما شرب وإلى المنكح ما نكح، وكذلك كل ما يشتهيه، فالهوى مستحلب له ما يفيد، كما أن الغضب دافع عنه ما يؤذي، فلا يصلح ذم الهوى على الإطلاق، وإنما يذم المفرط من ذلك، وهو ما يزيد على جلب المصالح ودفع المضار (ذم الهوى، ص:12).


وإنما جاءت نصوص الشرع بذم الهوى، لأن غالبه ما يكون به الضرر على الإنسان، وأنه قل من الناس من يلتفت إلى مصلحة وجود الهوى مركبا في الإنسان، والحكم - كما يقول الفقهاء - يدور مع الغالب وليس مع النادر، بل أبان الله تعالى أن الكثرة من الناس هي التي تتبع الهوى، وأن القلة هي التي تتبع الحق من ربهم، كما قال سبحانه: { وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ  إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ } (الأنعام:119). ولصعوبة مجاهدة الإنسان هواه، فقد وعد الله تعالى صاحبه بالجنة أن تكون مستقره ومأواه، تشجيعا لخلقه على مخالفة هواهم، فقال تعالى: {فَأَمَّا مَن طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)} (النازعات:37-41).


ورغم كثرة الآيات التي تحدثت عن اتباع الهوى، فإنه يلاحظ أن حديث القرآن عن الهوى هو من باب الكليات لا الجزئيات، ذلك أنه ركز على القاعدة الأم من التحذير من اتباع الهوى، لأن تطبيقاتها كثيرة جدا، وتماشيا مع طبيعة القرآن الكريم من أن غالبه يركز على القضايا الكلية، ليترك التفصيل للسنة النبوية ولاجتهاد العلماء، حتى تبقى خصوصية القرآن كما هي من كونه الكتاب الخالد المشتمل على الألفاظ والعبارات المعجزة، فآياته مع صغر عددها، وكونها معدودة، لكن معانيها غير متناهية، وهي مراجعة واجبة فيما اشتهر عن الفقهاء من كون النصوص متناهية والحوادث غير متناهية، بل الصواب عندي أن النصوص معدودة، لكن معانيها غير متناهية، فتستطيع تلك الآيات المعدودة بإعجازها أن تشمل ملايين الحوادث التي توصف بأنها غير معدودة، فمعاني الآيات أشمل وأكبر من الحوادث.


«وأنواع الهوى متعددة، وموارده متشعبة، وإن كانت في مجموعها ترجع إلى «هوى النفس وحب الذات»، فهذا الهوى منبت كثير من الأخطاء وحشد من الانحرافات، ولا يقع إنسان في شباكه حتى يزين له كل ما من شأنه الانحراف عن الحق والاسترسال في سبيل الضلال حتى يغدو الحق باطلا والباطل حقا والعياذ بالله. ويمكن رد خلاف أهل الملل والنحل ودعاة البدع في دين الله تعالى إلى آفة الهوى. ومن نعم الله على عبده ورعايته سبحانه أن يكشف له عن مدى ارتباط مذاهبه وأفكاره ومعتقداته بهوى نفسه، قبل أن تهوي به في مزالق الضلال، حتى يضيء المولى سبحانه مشاعل الإيمان في قلبه، فتكشف زيف تلك المذاهب أو الأفكار أو المعتقدات، ذلك لأن حسنها في نفسه لم يكن له وجود حقيقي، بل هو وجود ذهني أو خيالي أو صوري صوره الهوى وزينه في النفس ولو كان قبيحا في واقعه أو لا وجود له إلا في ذهن المبتلى به» (أدب الاختلاف في الإسلام، العلواني، ص:27)


الرسول  " صلى الله عليه وسلم"  أبعد الخلق عن الهوى


ولذم القرآن اتباع الهوى، فهو يقرر أن كل ما جاء في القرآن الكريم منقولا عن الله سبحانه وتعالى للبشر بواسطة جبريل إلى محمد  " صلى الله عليه وسلم" ، فهو كلام صادق لم يتبع فيه الرسول الهوى، فهو أبعد الخلق عن اتباع الهوى، حتى يكون قدوة للناس جميعا فيما يدعوهم إليه من ترك الهوى، وهو أولى خطوات نجاح الداعية أن يبدأ هو بنفسه، فكان  " صلى الله عليه وسلم"  أبعد الخلق عن الهوى المذموم، في قوله وفعله وكل أمره، كما قال: { وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى } (النجم:1-4).


حالات الإنسان مع الهوى


وللإنسان مع هواه ثلاث أحوال:


الأولى: أن يغلبه الهوى فيملكه كما قال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ } (الفرقان:43).


والثانية: أن يغالبه فيقهره مرة ويقهر مرة، وإياه قصد بمدح المجاهدين، وعناه النبي  " صلى الله عليه وسلم"  بقوله: «جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم».


والثالثة: أن يغلب هواه ككثير من الأنبياء وبعض صفوة الأولياء، وهذا المعنى قصد بقوله تعالى: { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} (النازعات:40-41).


وله قصد النبي  " صلى الله عليه وسلم"  بقوله: «ما من أحد إلا وله شيطان وإن الله تعالى أعانني عليه حتى ملكته». فإن الشيطان يتسلط على الإنسان بحسب وجود الهوى فيه، والله أعلم بالحقيقة (الذريعة إلى مكارم الشريعة، ص:91).


صفات ومخاطر اتباع الهوى في القرآن


وقد أبان القرآن الكريم عن كثير من صفات أصحاب الهوى، وحذر من عاقبته، وكشف لنا عن عدد من المخاطر التي تلحق بصاحب الهوى، ومن ذلك:


الاستكبار


فيشير القرآن الكريم إلى أن اتباع الهوى كان سببا في تسلل الاستكبار إلى نفوس الكافرين، فدفعهم إلى عدم الإيمان بالرسل، فكذبوهم، بل قتلوا بعضهم، كما حصل مع زكريا ويحيى - عليهما السلام - وغيرهما من أنبياء بني إسرائيل، بل ينقل الإمام ابن القيم رحمه الله أنهم قتلوا سبعين نبيا في يوم واحد! فاتباع الهوى قد يؤدي إلى الكفر والقتل، قال تعالى: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ  بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ} (البقرة:87-88).


وقال سبحانه وتعالى: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا  كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ } (المائدة:70).


عبادة الهوى


إن صاحب الهوى يضل به هواه ويذله حتى يعبده من دون الله تعالى، كما قال سبحانه: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا} (الفرقان:43). وقد قال علي بن أبي طالب  "رضي الله عنه" : «الهوى شر إله عبد».


وقد كان كفر الأمم السابقة وعبادة غير الله تعالى نتيجة لاتباع الهوى، فتلك الأصنام التي كانت تعبد من دون الله تعالى كان العرب يؤمنون أنها ليست الإله الحق، بل يزعمون أنها تقربهم إلى الله تعالى كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ  إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} (الزمر:3).


ولهذا عاب الله تعالى عليهم عبادة تلك الأوثان بقوله سبحانه وتعالى: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ  إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ  وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى} (النجم:23).


ومازال البشر - حتى اليوم - يعبدون آلهة من دون الله، على اختلاف تلك الآلهة من الجمادات أو الأشخاص أو الأشياء، فاتباع الضلال والأسياد والكبراء، لأنهم أسياد وكبراء، نوع من العبادة، وقد أشار النبي  " صلى الله عليه وسلم"  إلى عبادة البشر في حديث عدي بن حاتم الطائي كما في الترمذي وابن ماجه: «ألم يحلوا لكم الحرام، ويحرموا عليكم الحلال، فأطعتموهم؟». قالوا: بلى. قال: «فتلك عبادتكم إياهم». وقد عبد أهل مصر قديما حكامهم الفراعنة، حين قال لهم فرعون: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} (النازعات:24)، مع كونهم يعلمون أنه بشر مثلهم، لكنه الهوى، الذي يطمس العقول ويعمي القلوب، ويجعل من الإنسان عبدا لمثله من دون أن يكون عبدا لله، فيصم عن سماع الحق، ويصر على الباطل، حتى لو ذكر بأنه باطل، فإنه يقول: ولو كان، فيتبعون أهواءهم بغير هدى من الله.


«إن خطر الهوى أنه يضعف سلطان الإيمان بالوعد والوعيد، ويخبو نور اليقين لخوف الآخرة، إذ يتصاعد عن الهوى دخان مظلم إلى القلب يملأ جوانبه حتى تنطفئ أنواره، فيصير العقل كالعين التي ملأ الدخان أجفانها، فلا يقدر على أن ينظر، وهكذا تفعل غلبة الشهوة بالقلب حتى لا يبقى للقلب إمكان التوقف والاستبصار، ولو بصره واعظ، وأسمعه ما هو الحق فيه عمي عن الفهم وصم عن السمع، وهاجت الشهوة فيه، وسطا الشيطان، وتحركت الجوارح على وفق الهوى، فظهرت المعصية إلى عالم الشهادة من عالم الغيب بقضاء من الله تعالى وقدره، وإلى مثل هذا القلب الإشارة بقوله تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ  إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ  بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) } (الفرقان:43-44) (إحياء علوم الدين، 3/47).


النكوص عن طريق الحق


وأصحاب الأهواء، الذين يصرون على مواصلة طريق الهوى، لا يثبتون على الحق، بل يحيدون عنه، حتى يصلوا إلى تكذيب آيات الله تعالى، وقد ضرب الله تعالى لمن اتبع هواه مثلا في القرآن، فقال: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ  فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث  ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا  فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) } (الأعراف:175-176).


القلب الغافل


ومن أخطر ما يصيب صاحب الهوى أن يصاب قلبه بالغفلة، فيران عليه، ويوضع بينه وبين قبول الحق حجاب مانع، وسد فاصل، وهوة كبيرة، فما استطاعوا - للحق - أن يظهروه، وما استطاعوا إليه نقبا يرون منه ولو بصيصا؛ ولذا أمر الله تعالى نبيه  " صلى الله عليه وسلم"  والأمة بالصبر مع الصالحين الذين لا يريدون إلا وجه الله والدار الآخرة، وأن يلزمهم ولا يلتفت إلى أصحاب الأهواء، فقال جل في علاه: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ  وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا  وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } (الكهف:28).


نسيان الآخرة


ومن المخاطر التي يقصها القرآن عن أصحاب الأهواء أن صاحب الهوى لا يفكر في الآخرة، فالدنيا هي همه الأول، وشغله الشاغل، فلا يفكر إلا في دنياه من جمع المال واكتساب الشهرة ونيل المناصب الدنيا، ثم هو لا يستعملها في طاعة الله، بل إذا ذكروا بها لم يصدقوا، ثم إنهم بعد ذلك يصدون الناس عن تذكر الآخرة، حتى يكونوا معهم سواء، وقد خاطب الله تعالى نبيه  " صلى الله عليه وسلم"  بقوله: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16)} (طه:15-16).


وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح: «من كانت الدنيا همه؛ جعل الله فقره في قلبه، وشتت عليه أمره، ولم يأته منها إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة أكبر همه؛ جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة».


الضلال المبين


ومن نتائج اتباع الهوى أن يكون صاحبه في ضلال مبين، فالهوى يمنع صاحبه من اتباع الحق، فيزيغ عنه، حتى إن جاءته الدعوة الصادقة من نبي من الأنبياء، فإنه لن يصدقها، كما قال تعالى: { فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ  وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ  إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } (القصص:50). وصاحب الهوى يضل على علم لا عن جهل، بل يجعل هواه إلها يعبد، فالهوى عنده مطاع، لا يرد له طلب، فلا يسمع إلا لهواه، ولا يرى إلا لهواه، ولا يرضي إلا هواه، فقام عنده مقام الإله، ومن شدة حبه لهواه فقد أضحى أعمى وإن كانت له عينان، فهو لا يرى بقلبه، ولا يبصر بعينيه، فأنى لهذا أن يعرف طريق الحق، كما قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ  أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } (الجاثية:23)، وقال تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ } (المائدة:77). ومع هذا، فهو صاحب جهالة وضلالة، كما قال سبحانه: {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ  فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ  وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ} (الروم:29). ومن يتبع أصحاب الأهواء يكن ضالا مثلهم، كما قال سبحانه وتعالى: {قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ } (الأنعام:56).


خسران ولاية الله ونصرته


ومن أضرار اتباع الهوى أن يخسر المؤمن ولاية الله ونصرته له، فيكله إلى نفسه يتخبط في كل اتجاه، لا يعرف صوابا من خطأ، ولا حقا من باطل، كما قال تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ  مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ } (البقرة:120)، بل لا يكون متبع الهوى في مأمن من عذاب الله تعالى، كما قال سبحانه: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ} (الرعد:37).


اتباع الهوى ظلم


ويعتبر القرآن اتباع الهوى ضربا من الظلم وغمض الحقيقة، إذ اتباع الهوى مغاير لحقائق الكون التي خلقها الله تعالى، وهو حيد عن طريقه الصحيح الذي فيه صلاح الإنسان، وقذف به إلى الهواية، وبذا، يظلم صاحب الهوى نفسه ومجتمعه وأمته، لما يصيبه وغيره من الضرر، كما قال تعالى: { وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ  وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ  وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ  وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ  إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِي} (البقرة:145).


التحذير من اتباع الهوى في الحكم


وقد حذر الله تعالى من اتباع الهوى، خصوصا في الحكم بين الناس، وذلك باتباع أهواء الناس في الحكم بينهم، وأن ندع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، أو ما قاله بعض السفهاء من كلمة الكفر: «ما دخل الله تعالى بالسياسة!»، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، أو بتحكيم الشرائع المناقضة لشرع الله تعالى، وذلك بتحليل الحرام، أو تحريم الحلال، كما قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ  فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ  وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ  لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا  وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ  فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ  إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (المائدة:48).


أما التشريع في غير ما يصادم أحكام الله تعالى القطعية، أو ما يتعلق بسن القوانين الإدارية ونحوها، فليس اتباعا للهوى ولا حكما بغير ما أنزل الله تعالى.


إن القرآن يلح على أن تنتفي سيطرة أهوائنا في أحكامنا، فهي شر وثن يتبع، كما قال الشيخ دراز، (دستور الأخلاق في القرآن، ص:484). ولذا، خاطب الله المؤمنين بقوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ  إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا  فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا  وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } (النساء:135).


كما خاطب داود عليه السلام بقوله: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ  إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ } (ص:26). فإن كان اتباع الهوى محرما، فإنه في حق الحاكم المسلم أشد حرمة.


الوقوع في الفتن


وصاحب الهوى يقع دائما في الفتن، فحياته ليست مستقرة، ولا يعرف للراحة طعما، ولا للسعادة طريقا، بل هو متخبط في حياته، يتيه في غيابات الفتن ما ظهر منها وما بطن بقدر تعلقه بالهوى، كما قال جل في علاه: {وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ  فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ  وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} (المائدة:49).


فساد السماء والأرض


ويجيء خطاب القرآن الكريم في ذروته محذرا من الهوى، مصورا إياه بأبشع صورة، فاتباع الهوى مفسد للحياة بأسرها، كما قال تعالى: {َلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ  بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ} (المؤمنون:71).


فلو أعطي كل إنسان ما يهوى - مع أن كل واحد يهوى أن يكون أغنى الناس وأعلاهم منزلة، وأن ينال في الدنيا الخير الأبدي بلا مزاولة (ولا يعلم أنه أعطي ذلك) لكان فيه فساد العالم بأسره. (الذريعة الى مكارم الشريعة، ص:93). ويقول الإمام ابن القيم (إعلام الموقعين، 1/72): «وكل من له مسكة من عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه، وفي أمة إلا وفسد أمرها أتم الفساد».


الهوى المحمود


ورغم أن غالب حديث القرآن جاء في ذم الهوى والتحذير منه، إلا أنه في ثنايا ذكره ذم الهوى يلفت الانتباه إلى الهوى المحمود، وهو من أعلى مقامات العبد، لا يصل إليه إلا الأنبياء والصالحون من عباد الله تعالى، ويشهد لذلك قوله تعالى: { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ  إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (القصص:50)، فبمفهوم المخالفة ومن أهدى ممن اتبع هواه بهدى من الله تعالى، وهو إنصاف القرآن وعدله، ولو كانت نسبة من يتصف هواه بالمدح قليلة نادرة، لكن القرآن أثبتها.


كما يشهد لها حديث النبي  " صلى الله عليه وسلم"  الذي صححه الإمام النووي: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به».