Skip Ribbon Commands
Skip to main content
 
 
 

​ملف العدد/


كيف أضب​ط أهواء نفسي؟


د. آندي حجازي

أخصائية تربوية أردنية


منذ اللحظات الأولى لحياة الإنسان بدأ صراع النفس مع أهوائها، فمنذ أن كان سيدنا آدم - عليه السلام - في الجنة، وسمح الله تعالى له ولزوجته حواء بأن يأكلا من كل شجر الجنة عدا شجرة واحدة، جاء الشيطان ووسوس لهما ليقعا في أهواء النفس وضغوط الشيطان وارتكاب المحظور، فلم يستطيعا في تلك اللحظة أن يضبطا شهوتهما، وتناولا من تلك الشجرة المنهي عنها، فكان العقاب بالنزول إلى الأرض والعيش فيها إلى ما شاء الله للإنسان العيش إلى أن تنتهي الحياة، ثم يعود من يستحق إلى الجنة في خلود أبدي.


ويستمر التصارع بين أهواء النفس، بين الخير والشر، فحياة الإنسان ما هي إلا صراع مستمر بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، وبين هوى متبع وهوى مبعد، بين أن أفعل ما يرضي أهوائي وشهواتي وأن أفعل ما يرضي الله تعالى خالقي وواهبي الحياة. ومن هنا، تأتي أفعال الخير وأفعال الشر لبني البشر. ومن هنا، يأتي الحساب والعقاب. وما حياة الإنسان إلا امتحان حقيقي لما يجب على الإنسان من ضبط لأهوائه وشهواته، ووضع لنفسه من أهداف سامية.. {فأَمَّا مَن طَغَى(*) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (*) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى(*) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى(*) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى(*)"} (النازعات:37-41).


الحياة ممتلئة بالمغريات؛ فانظر إلى من يتناول المسكرات، أو المخدرات، أو المدمن على التدخين أو الشيشة، أو من يمارس الفاحشة مع نساء.. أليس يتبع أهواءه؟ ومن ينظر إلى الأفلام الإباحية أو الأفلام الممتلئة بالمشاهد المثيرة للغريزة الجنسية من دون تفكير، ولو للحظات، في الآخرة وفي ما يرضي الله تعالى! وانظر إلى من تتتبع أهواءها في شراء كل ما تشتهيه نفسها من ملابس وأدوات تجميل وزينة وتحف وكماليات... وفي المقابل، تتتبع الشح عند الدعوة إلى الإنفاق على عمل خير أو صدقة أو مساعدة فقير أو إتمام بناء مسجد أو دار علم أو مستشفى... إنها أهواء النفس.


إن أهواء النفس لا تنتهي، واتباع الشهوات أمر سهل محبب للنفس، مع أن أبواب الخير ليست مكلفة ماديا كما هي أبواب الشر، فأنت حتى تتناول الخمر أو المخدرات أو تلعب القمار أو تقع في الربا أو الزنا وغيرها من اتباع لشهوات النفس، فإنك تضطر إلى دفع المال الكثير لها، بينما هناك الكثير من أعمال الخير لا تحتاج إلى مال، كالصلاة والصيام وذكر الله تعالى


ملف العدد


ورضا الوالدين وإماطة الأذى عن الطريق ومساعدة الآخرين والابتسامة في وجوه الآخرين ودعوة الناس إلى الخير وحضور الخطب الدينية.


وعلى الرغم من أن بعض العبادات تتطلب الإنفاق المادي، كالحج والصدقة والزكاة، فإنك تشعر بسعادة تلامس أعماق قلبك حينما تؤديها، في مقابل شعورك بالحزن والاكتئاب وأنت تمارس أعمال الشر والمعاصي التي تغضب الله تعالى، والتي تورث في القلب نكتا سوداء تورث الحزن والتعاسة والشعور بفراغ كبير من دون أن تعلم سبب تلك التعاسة، مصداقا لقوله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} (طه:124-126).


مجاهدة النفس


إن من أعظم الجهاد جهاد النفس وجهاد الهوى. والمجاهدة في معجم «لسان العرب» مأخوذة من «ج هـ د»، التي تدل على المشقة. والمجهود هو اللبن الذي أخرج زبده، لأنه لا يخرج إلا بتعب ومشقة. ولذا، لا يقال «اجتهد فلان في حمل حبة»، بل «اجتهد في حمل صخرة»، لما في الصخرة من المشقة والعناء. وسمي قيام الليل تهجدا لما فيه من تعب ومعاناة في حمل النفس على ترك النوم في الفراش الوثير لتقوم بين يدي الله رب العالمين. وقد قال أحد الصالحين: «جاهدت نفسي على قيام الليل عشرين عاما فذقت حلاوته عشرين عاما أخرى»، مكافأة لجهاده أصبح سهلا عليه، ممتعا، لا يستغني عنه، مصداقا لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا  وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (العنكبوت:69).


أما مجاهدة النفس اصطلاحا، فهي: إجبار النفس الأمارة بالسوء والمتبعة للهوى على ما هو مطلوب في الشرع. وقيل هي: بذل المستطاع في أمر الله المطاع، ومخالفة الهوى، وترك المحرمات، والترفع عن المكروهات.


ولذلك قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات» (رواه مسلم). وقال العلماء: «هذا من بديع الكلام وفصيحه وجوامعه التي أوتيها  " صلى الله عليه وسلم" ». ومعناه: أن الجنة طريقها صعب يحتاج إلى مكافحة أهواء النفس ومقاومتها، فمن أراد دخول الجنة عليه أن يكره نفسه على فعل الطاعات، وتحمل مشاق العبادات، والمواظبة عليها والصبر على مشاقها، كالصلاة والصيام وإخراج الزكاة والحج وكظم الغيظ والعفو عن المسيء وضبط اللسان عن الغيبة والنميمة. أما النار فطريق دخولها سهل، وهو فعل ما تشتهيه النفس من المحرمات والمعاصي، كشرب الخمر والزنا والغيبة والنميمة وقتل النفس وإضاعة المال والوقت وترك الصلاة والصيام وترك اللباس الشرعي للمرأة والخروج متبرجة من دون أدنى خوف من الله تعالى والتفكير في الآخرة.


فهتك حجاب الجنة يكون بترك الشهوات المحرمة، وهتك حجاب النار باقتحام الشهوات. وهذه هي حياة المسلم: صراع بين ارتكاب تلك المحرمات أو البعد عنها.


قصة وعبرة


وأعلم شيخا، رحمه الله، في سوريا رزقه الله ستة عشر من الأبناء (عشرة ذكور وست إناث)، عمل وزوجته بجهد شخصي منهما (في الثمانينيات من القرن الماضي في زمن توقف فيه النشاط الديني في المساجد السورية) على تحفيظ أبنائهما جميعا، ذكورا وإناثا، القرآن الكريم كاملا، ومجودا، قبل إتمامهم المرحلة الابتدائية، وحفظ كتب الأحاديث النبوية، بل وتحفيظهم سبعا من القصائد الطوال التي تتضمن أحكام الدين والتجويد والعلوم الشرعية، وعودا أبناءهما منذ طفولتهم الباكرة على قيام الليل، فلم يكن يسمح لأحد منهم بأن تفوته صلاة التهجد في جماعة يقيمها الوالد في بيته مع زوجته وأبنائه كل يوم، فلا تأخر عن تلك الصلاة لأي سبب، كما عودا أبناءهما على النوم باكرا والاستيقاظ باكرا قبل الفجر (كما هي السنة النبوية)، وفي التسعينيات من القرن ذاته أصبح سبعة من أبنائهما من أئمة المساجد الدمشقية، وكلهم تزوجوا وأنجبوا الأبناء، ولم يمنعهم ذلك من تعلم علوم الدنيا، فتخرج منهم المهندسون والأطباء والمعلمون... وبنات الشيخ غدون مشرفات حلقات تحفيظ القرآن الكريم في المساجد. ويذكر الأبناء أن والدهم لم يستخدم الضرب أو الشتم أو الصراخ معهم البتة، فأي تربية تلك العظيمة التي عودت الأبناء على مواجهة أهواء النفس من حب الراحة والنوم واتباع الشهوات؟! إنها التربية على الإيمان والتذكير بالهدف من الحياة.. رحم الله الشيخ العالم الجليل سعيد البرهاني وزوجته الفاضلة.


تنزيلات شهر رمضان


وإن من جمال ديننا الإسلامي العظيم أن جعل في كل عام أياما مباركات عظيمة، فيها دعم رباني من الله تعالى، تعين الإنسان على فعل الطاعات وترك المنكرات، فهي كموسم التنزيلات من الله تعالى في وقت معين من كل عام، ومنها شهر رمضان المبارك، الذي يوفر الله تعالى فيه الدعم النفسي للإنسان المعين على الطاعة بتصفيد الشياطين طول شهر رمضان، وفتح أبواب الجنة ليقبل باغي الخير، وإغلاق أبواب النار رأفة وإعانة من الله تعالى للمسلم على الطاعة. فما أعظم أن نستفيد من موسم الخير هذا الذي تصبح الطاعات فيه أهون، والمعاصي فيه أصعب، وتصبح العبادات بأضعاف الثواب. فإن كان هناك محل تجاري يعرض تنزيلات هائلة حقيقية لفترة محددة أفلا يقبل الناس عليه لاستغلال تلك التنزيلات الموسمية للاستفادة منها قدر الإمكان؟ فكيف والله تعالى يعطينا شهرا تتضاعف فيه الحسنات؛ أفلا نقبل عليه بكل جوارحنا وقدراتنا؟


وهنا يلزم إشغال النفس بالحلال الطيب، وملء يوم المسلم وليله بالواجبات الشريفة، كالصلاة وقراءة القرآن الكريم والانشغال بصلاة قيام الليل والذكر وإفطار الصائمين وصلة الرحم ودعوة الفقراء أو الأقارب إلى إفطار رمضان، والقيام بالأعمال المفيدة التي تقرب إلى الله تعالى.. ونفسك إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر، فالخوف من الوقوع في المحظورات ووقت الفراغ كإضاعة الوقت في الأسواق وبين الشراء واللهو، أو مشاهدة المسلسلات في رمضان التي تمتلئ بالمشاهد الإباحية أو المخلة بالآداب، والتي تضيع ثواب الصائم وتفتح عليه أبواب الفتن والشهوات، وأقل ما فيها أنها تضيع وقت المسلم كبرامج المسابقات والدعايات.


وإن كان الإنسان لم يستغل شهر رمضان المبارك كمحطة للتزود بالوقود الداعم على الطاعة طوال العام، فأي أوقات من العام سوف يستفيد منها ليعود نفسه على الطاعة والعبادة وجمع أكبر ثروة ممكنة من الحسنات؟


يقول سفيان الثوري: «ما عالجت شيئا أشد علي من نفسي، مرة لي ومرة علي». ويقول الحسن البصري: «ما الدابة الجموح بأحوج إلى اللجام الشديد من نفسك». فترك النفس تسعى وراء أهوائها وشهواتها من دون كبحها ووضع ضوابط لها هو الخسارة الحقيقية والضياع، دنيا وآخرة.


نصائح لمواجهة أهواء النفس


< تذكير النفس بالخوف من الله تعالى:


تذكير النفس دوما بالهدف الأساسي لخلق الإنسان، وهو طاعة الله وعبادته، وتعويدها الخوف من الله تعالى وحده ومن عقابه، بتخيل العقاب، والقراءة عما ورد عنه في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، وتعويد الشعور برقابة الله تعالى عند قرار ارتكاب المعصية، وجعل الأولوية الخوف من الله لا الخوف على أمور الدنيا كضياع الرزق والربح، أو الخوف على المستقبل، لأن هذه مداخل الشيطان للنفس الأمارة بالسوء لارتكاب المحرمات كالغش والسرقة والربا.. قال تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (آل عمران:175). لذلك، إن جعلت خوفك من الله تعالى فقط فقد نجوت من أهوائك، لأنه الرادع عن ارتكاب كل معصية وكبيرة.


< استخدم أسلوب العقاب مع نفسك:


حينما تجد نفسك مقبلة فكافئها بما تحب، وإن وجدتها ارتكبت كبيرة أو معصية فعاقبها بفعل طاعة عسى تمحو ما ارتكبت من سيئات، فتصدق بمبلغ من المال، أو صم عدة أيام، أو قم بأعمال تطوعية، أو اقرأ أجزاء من القرآن الكريم، وامنع نفسك من مشاهدة برامج التلفزيون، أو من استخدام الهاتف النقال لفترة.. ولذلك جعل الله عزوجل الكفارات عند ارتكاب الأخطاء من أجل تطهير النفس وعدم التفكير في العودة مرة ثانية للخطأ ذاته.


< دعاء الله تعالى بالعون على مواجهة أهوائك:


لا شيء يعدل دعاء الله تعالى على المساعدة والعون على الطاعة واجتناب المنكرات والمحرمات، فالله وحده قادر على كل شيء، وهو الذي يحب الالتجاء إليه بالدعاء. وتذكر قول سيدنا يوسف في محنته عندما تعرض لفتنة النساء فدعا الله عزوجل لعونه على التخلص من ذلك: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ  وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ} (يوسف:33)، فاستجاب الله تعالى له وصرف عنه كيد النساء وفتنتهن.


< صمم برنامجا خاصا لرمضان:


صمم برنامجا لك ولأبنائك لمحاربة أهواء النفس في رمضان والاستفادة من نفحات الشهر الكريم وثوابه العظيم. فما أعظم أن تجعل لنفسك برنامجا من الطاعات تقسم به أوقات يومك، فتخصص أوقاتا للصلاة، ولقراءة القرآن الكريم، ولصلاة الليل، ولإعانة الوالدين في أعمالهما، أو دعوتهما والأهل لتناول الإفطار، أو دعوة فقراء أو المشاركة في إطعامهم، أو توزيع الصدقات على دور الأيتام والمحتاجين.


< ابتعد عن المشتتات والملهيات:


فكما ذكرنا «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات»، ولذلك طريق الشر سهل ميسر، فلا تجعل مثلا للتلفاز وقتا في جدولك في رمضان، تفرغ لأعمال الخير والطاعات فقط، وابتعد عن كل المشتتات والمحبطات وسالبات الثواب وخاطفات ساعات رمضان الثمينة ودقائقه، فترفع عن السفاهات لأنها لا تفيد في الآخرة.


< رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  قدوتنا في جهاد النفس:


تذكر أن رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  قدوتنا في مجاهدة النفس وفعل الطاعات، فكان يشمر ويجتهد في رمضان، ويعتكف في العشر الأواخر، ويوقظ أهله، وتتفطر قدماه وهو يصلي قيام الليل، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكيف بنا نحن ونحن الأحوج للثواب والمغفرة من الله عزوجل؟!