Skip Ribbon Commands
Skip to main content
 
 
 

​دراسات/ 

الضوابط الأخلاقية لمنظومات الهندسة الطبية


د. شيرين فراج

أستاذة الهندسة الطبية - مصر

34.jpg


الهندسة الطبية، هي العلم المعني بتطوير وتصميم الأجهزة والمستلزمات الطبية، وكذلك في تقانات تحليل الإشارات والذكاء الاصطناعي، وتجدر هنا الإشارة إلى فروع وتطبيقات الهندسة الحيوية الطبية، التي أدت إلى الثورة العلمية الطبية الحديثة في التشخيص والعلاج.


فما قبل عام 1900م كان الطب يعتمد على الطبيب وحقيبته الصغيرة السوداء ومهاراته وحسه الإكلينيكي، ثم بدأ التحول في المجال الطبي والثورة في التشخيص والعلاج من التطور السريع للعلوم التطبيقية التي أفرزت المجالات البينية، ولنذكر هنا فروع الهندسة الحيوية الطبية وتطبيقاتها، وهي:


1 - الميكانيكا الحيوية.


2 - التحليل الطبي والبيولوجي.


3 - المجسات الحيوية.


4 - الهندسة الإكلينيكية.


5 - المعلوماتية الطبية والحيوية.


6 - هندسة التأهيل.


7 - المحاكاة الفسيولوجية.


8 - النانو تكنولوجي الحيوية.


9 - الأجهزة الطبية.


10 - الهندسة العصبية.


11 - هندسة الأنسجة.


12 - الهندسة الحيوية.


13 - المواد الحيوية.


14 - التصوير الطبي.


15 - وأخيرا الأجهزة المساعدة والأعضاء الصناعية.


ومما سبق يتضح كم يتداخل مجال الهندسة الحيوية الطبية في المجال الطبي، وكم يعتمد التشخيص والعلاج الطبي على هذا المجال في إيجاد حلول وعلاجات لأمراض مستعصية من أجل رفاهية الحياة والبشرية والإنسان.


ولكن في خضم كل هذه المزايا التي من المتصور أنها تعود على الناس بالنفع وحياة وصحة أفضل، تظهر أخلاقيات الممارسة والتطبيق والبحث في هذا المجال الذي لو أسيء استخدامه قد يصبح مضرا بالبشرية، فمجال الهندسة الطبية يستخدم كل التقانات الهندسية، خصوصا ذات التكنولوجيا العالية والإلكترونيات والميكانيكا.


وقد أصدر الاتحاد الأوروبي توجيهات وضوابط جديدة لاختصار استخدام جهاز الرنين المغناطيسي (2006) نتيجة لمخاطر الإشعاع الكهرومغناطيسي.


بالإضافة إلى ذلك التطور لا ينتهي عادة، فجهاز الرنين المغناطيسي خضع لعدة تطورات، فهناك الرنين المغناطيسي المفتوح الذي يصلح لحالات معينة ولا يصلح لأخرى. والسؤال الذي يطرح نفسه: إذا كانت حالة المريض لا تستدعي القيام بالفحص بجهاز رنين مغناطيسي قوي عالي المغناطيسية، فهل إذن من الأخلاق أن أعرض المريض للفحص بجهاز رنين مغناطيسي عالي المغناطيسية لأي سبب آخر غير احتياجه الفعلي للفحص؟ وهل من واجب الطبيب أن يوضح احتياج المريض الفعلي للفحص وبأي نوع من الأجهزة وللمريض حق الاختيار؟


الموجات فوق الصوتية


ولننطلق إلى مثل آخر وهو كثرة استخدام الفحص بالموجات فوق الصوتية، خصوصا أثناء الحمل، وإغفال الكثير من الأطباء وعدم وعي المرضى بأن ذلك قد يكون مضرا للجنين، حيث إن هناك أبحاثا كثيرة أثبتت إمكانية الضرر، مثل التأثير على الجهاز السمعي للأجنة، ووجد أن الطفل الذكر الذي يتعرض إلى الموجات فوق الصوتية كثيرا في بطن أمه يكون أعسر (أي يستخدم اليد اليسرى)، ولم يعرف حتى الآن نوعية الضرر الذي تسببه تلك الموجات على المخ، وكذلك نسبة الصفراء الوليدية الفسيولوجية، وذلك لأن تلك الموجات تقوم برفع درجة حرارة الخلية. فمن حق المريض أن يعلم مدى الضرر الواقع عليه، خصوصا مع انتشار الموجات ثلاثية الأبعاد، وزيادة نسبة الإشعاع بها من دون أن تكون لها فائدة إكلينيكية. ومن هنا يجب أن يتم استخدام تلك الفحوصات تحت ضرورة طبية ملحة، وبعد الفحص الإكلينيكي الذي يحدد أن هناك مشكلة ما يجب التأكد منها، ولا تكون تلك الفحوصات عشوائية أو لرغبة الأم في رؤية جنينها.


وهناك محددا أمان لعمل أجهزة الموجات فوق الصوتية، التي من حق المريض أن يعلم مدى الجرعة الإشعاعية التي يتعرض لها، وهما:


أ - المعامل الميكانيكي، وهو علامة الضرر التجويفي.


ب - المعامل الحراري، وهو علامة الضرر الحراري على الأنسجة.


فالتقانات الحديثة يجب أن يكون لها بروتوكول خاص بها، والمريض يجهل الضرر الذي قد يلحق به، وقد يجهله الطبيب أحيانا أيضا. فمع التطور الطبي الهائل ومع الاتجاه إلى التخصص الدقيق نجد أن سلوك الطبيب اختلف ولم يعد حكيم الماضي، وأصبح الاعتماد في التشخيص والعلاج على استخدامات الأجهزة الطبية، وقد يقوم مثلا طبيب أطفال بطلب أشعة رنين مغناطيسي لطفل وقد لا يحتاج الطفل إليها فعليا، فعلى الطبيب المتخصص في الأشعة، وهو الأكثر دراية باستخدام ذلك الجهاز، مناقشة ذلك مع طبيب الأطفال لرؤية مدى جدوى ذلك الفحص مقابل ما سيتعرض له الطفل من الإشعاع. ومن الثابت علميا أن الطول الموجي لإشعاع الرنين المغناطيسي يتوافق مع طول الطفل، مما يعظم الضرر على الطفل.


ولنسرد بعض الأضرار التي قد تصيب الإنسان من جراء التعرض للموجات الكهرومغناطيسية والإشعاع غير المؤين عموما:


1 - الضرر الناتج من الديناميكية الكهربية للمجال المغناطيسي.


2 - الضرر الناتج من المغناطيسية الميكانيكية للمجال المغناطيسي.


3 - الضرر الناتج من التفاعل على مستوى الذرة والنواة.


وتلك الأضرار تؤثر على سريان الدم وتأخير السريان في إحداث التدفق وزيادة في ضغط الدم والتأثير على النمو والإنجاب وعمليات نمو الجنين والسلوك والجهاز العصبي المركزي.


بالإضافة إلى تأثير موجات الراديو في رفع درجة حرارة الخلايا التي قد تؤدي إلى الأمراض السرطانية، والصداع الناتج من زيادة وجود السيراتونين في الدم، والتأثير على إفراز هرمون الميلاتونين الذي له فائدة كبرى في تخليص الجسم من الشوارد الحرة، التي أظهرت الأبحاث أن زيادتها سبب الأمراض السرطانية.


فمن أخلاقيات التطبيق أن يعلم كثافة القوى ومعامل الامتصاص النوعي للإشعاع غير المؤين عند التعرض إلى أي من تطبيقات هذا الإشعاع في الطب والحياة العادية، مثل أجهزة التليفونات المحمولة وأبراج البث الإذاعي والتليفزيوني وأجهزة التحكم عن بعد وغيرها من التطبيقات التي لا تخلو منها حياتنا. إذن لا يخلو أي تطبيق من الضرر، ولتعظيم فائدته يجب استخدامه الاستخدام الصحيح غير مدفوع بضعف الحس الإكلينيكي للطبيب.


أجهزة الإشعاع المؤين


من أجهزة الإشعاع المؤين أجهزة الجاما كاميرا، التي تستخدم في فحوصات القلب وغيره. أحيانا كثيرة يتناسى الطبيب ويجهل المريض أنه يحقن بمواد مشعة، وأنه يصبح منذ ذلك الوقت وطيلة حياته مشعا. صحيح أن فترة نصف العمر للمادة، التي تختلف من فحص إلى آخر، تقلل من نسبة الإشعاع، لكنها لن تنتهي، أي إن الإشعاع الناتج من المريض سيقل ولكنه لن ينتهي أبدا.


ومع تطور أجهزة الجاما كاميرا ظهرت أجهزة إشعاع البوزيترون المقطعي، والتي تستخدم في دراسة الأيض، وبالتالي تحديد التشخيص بناء على تغيرات الأيض الناتج من الأمراض السرطانية ومرض باركنسن وفحوصات القلب. المشكلة فقط تكمن في أن هذا الجهاز يستخدم مواد مشعة ذات فترة نصف عمر طويلة بالنسبة إلى الفحوصات المستخدمة في الجاما كاميرا.


وبالتالي، فإن تحديد وطلب مثل هذا الفحص يجب أن يكون تحت ضرورة ملحة تحتاج إليه لا أن يكون عشوائيا.


الأشعة السينية


وننطلق كذلك إلى فحوصات الأشعة السينية، إلى حق المريض في معرفة الجرعة الإشعاعية التي سيتعرض لها، فمثلا أجهزة الأشعة المقطعية تصدر نسبة إشعاع كبيرة، فهي تعرض المريض إلى جرعة من 10-25 مللي سيفرت (وحدة القياس)، وهي جرعة كبيرة قد تؤدي إلى زيادة نسبة التعرض إلى مرض السرطان. وفي حين أن العالم الآن يتجه إلى تقليل الجرعة الإشعاعية التي يتعرض لها المريض، فتم اختراع أجهزة الأشعة المقطعية الحلزونية، ثم الآن الأجهزة المقطعية المخروطية، بالإضافة إلى فائدتها الإكلينيكية فإنها تخفض نسبة الإشعاع الذي يتعرض له المريض بنسبة 97 في المئة، فإذن من حق المريض أن يعلم ذلك، ويطلب ذلك الفحص إذا كان قادرا ماديا للتقليل من الجرعة الإشعاعية.


والآن هناك أجهزة الأشعة السينية، والتي تعرض المريض إلى جرعة إشعاعية لا تتجاوز مقدار المرور من البوابات الإلكترونية، ولكن لارتفاع ثمنها، ولأن الإقلال من الإشعاع الذي يتعرض له المريض لم يكن أبدا في بؤرة اهتمام الطبيب، فالمهم بالنسبة إلى الطبيب هو كتابة العلاج للمريض وتشخيصه، أما حساب مدى ما يتعرض له المريض من الإشعاع وأثر ذلك على حياته بعد ذلك فهو أمر غير مدرك.


التحليل الطبي


التحليل الطبي هو أحد أساسيات التشخيص السليم، وأهم ركائزه «كيت الاختبار»، والتي تحتوي على كيماويات متغيرة القدرة على الثبات، فهناك أكثر من مؤثر فيها وهي: الزمن، نوعية الكيماويات، عدد مرات الاستخدام بعد الفتح. وبناء على «كيت اختبار» تعطى النتائج، إذن فالتأكد من استخدام أفضل الكيماويات وأفضل المنتجات عالميا، هو أمر أساسي لا يقبل المناقشة، والذي يؤثر فعليا على التشخيص السليم، ولكن ماذا يحدث نتيجة للطلب على الأرخص؟ بدأت الشركات تتنافس في استخدام كيماويات فترة ثباتها قليلة ونتائجها غير مؤكدة. ولرخص ثمنها انتشرت، وانتشر معها عدم دقة نتائج المعامل، والتي قد يجهل المريض والطبيب أحيانا أسباب عدم دقة النتائج، وانتشر معها فكر أن يتم إجراء الاختبار المعملي في أكثر من معمل للتأكد من النتائج. إذن، أليس من أساسيات الأخلاق استخدام «الكيت» التي تمت معايرتها ولها شهادات جودة وفترة ثبات طويلة، حتى ولو كان ثمنها مرتفعا؛ لأن إجراء التحليل مرة بكل تأكيد أوفر من إجرائه عدة مرات للوصول إلى نتيجة سليمة؟!


بالإضافة إلى احتياج أجهزة المعامل إلى المعايرة حتى تعطي نتائج سليمة.


جهاز التنفس الصناعي


ومع تطور جهاز التنفس الصناعي، الذي له ثلاث طرق للعمل:


متحكم كليا، وهنا هو يتحكم كليا في تنفس المريض، ولا يقوم باستقبال أو التعامل مع أي محاولة للمريض في التنفس، وبالتالي يتم برمجته على دورة لضخ الهواء وسحبه من الرئتين، وعادة يكون المريض في حالة لا يستطيع التنفس فيها.


مساعد للمريض، وفي تلك الحالة يستطيع المريض التنفس، ولكنه لا يأخذ القسط المحتاج إليه من الهواء، فيعمل الجهاز في تلك الحالة على ضخ كمية مناسبة من الهواء، في تلك الحالة يجمع الجهاز طريقتي التحكم والمساعدة، فتتم برمجته بالزمن، إذا فشل المريض في سحب الهواء يقوم الجهاز بضخ الهواء كليا.


ومع تطور رسم المخ الكهربائي وطرق تحليل الإشارات، ظهرت مشكلات فقهية ودينية، مثلا في مجال نقل الأعضاء وزراعتها، لاسيما في حالات موت جذع المخ وفي حالة المرضى الذين استعصى شفاؤهم.


أجهزة المناظير


أجهزة المناظير، التي أصبحت لا غنى عنها، لكن لارتفاع ثمنها وحيث إن تلك الأجهزة في أغلب الأحيان لا يتم تعقيمها، لأن استخدام الكيماويات ومواد التعقيم يسبب لها تآكلا، وفي الوقت نفسه يقلل من عمرها الافتراضي، ويقوم الأطباء في أفضل الظروف بتطهيرها، وهناك شتان بين التطهير والتعقيم، فأصبحت أحد أسباب نقل العدوى، خصوصا الالتهاب الكبدي الوبائي، فأصبحت تلك الثورة التكنولوجية الحديثة، والتي ساهمت بدور فعال في مجال التشخيص والعلاج، أحد مسببات الأمراض المستعصية. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل الأمان في إجراء أي تدخل طبي، وإن كان مكلفا أفضل، أم أن ضعف الأخلاق والمبادئ والرغبة في التربح أصبحت القيم السائدة ولو على حساب الآخرين؟


وقائع لا أخلاقية من الحياة العملية


علم الاجتماع هو علم يدرس السلوكيات، ولكي نكون أكثر دقة، عند تصنيع أي جهاز طبي يقوم المصنع بوضع إرشادات عامة ومهمة للاستخدام، وقد لا تتصور كيفية تفتق ذهن بعض المستخدمين عن استخدامات لا أخلاقية، وقد تكون مضرة للمرضى، فهناك بعض السلوكيات الناتجة من شعوب الدول النامية مدمرة، فهي تسلك منهج التوفير، والتواكل، والإهمال واللامبالاة، التي مؤكدا تصيب المريض بالضرر، وعادة ليس هناك قانون أو حكم رادع لتلك السلوكيات، التي أحيانا كثيرة تودي بحياة البشر.


وسأقوم بسرد قصص حقيقية واقعية كنت شاهدا عليها تثبت مدى أهمية الدعوة إلى التمسك بالأخلاق والقيم ومبادئنا الدينية.


في صرح طبي كبير، وفي وحدة غسل الكلى، كان جهاز غسل الكلى به عطل في وحدة التسخين الخاصة بالدم (حيث تجب إعادة تسخين الدم لدرجة حرارة الجسم قبل دخوله إلى الجسم مرة أخرى، حيث إن خروج الدم من الجسم يفقده لدرجة حرارته)، فبدلا من أن يغلق العمل على الجهاز تم العمل به، ووضع مريض غسل الكلى عليه، مع تفتق ذهن العاملين على الوحدة بحل، وهو أن يقوموا بإحضار مياه دافئة لوضع أنابيب الدم قبل دخولها الجسم لتسخين الدم مرة أخرى.


وهنا حدثت المأساة، قامت الممرضة بإحضار مياه بدرجة حرارة الغليان، وعند وضع أنابيب الدم بها ودخول الدم إلى المريض مرة أخرى توفي المريض، فقام الطبيب في ذلك الوقت بنهي الممرضة عن فعل ذلك مرة أخرى فقط!


ووحدة غسل الكلى هي وحدة على قدر أهميتها للمرضى وقد تكون حياتهم متوقفة عليها، على قدر ما تكون سببا لكوارث كثيرة، فهي تنقل العدوى، وقد حدث ذلك كثيرا، ولايزال يحدث يوميا، فهي قد تكون ناقلة لعدوى مرض الإيدز والالتهاب الكبدي الوبائي، حيث إن فلتر الدماء الذي يجب ان يعدم بعد كل استخدام، نتيجة لضعف الأخلاقيات وبغرض تعظيم المكسب المادي، يتم استخدامه أكثر من مرة، مما يؤدي إلى انتشار العدوى! أترون معي، يدفع المريض ثمن العلاج ويعاد استخدام الفلتر أكثر من مرة، ويؤدي إلى إصابته بأمراض قاتلة نتيجة لانعدام الضمير.


ولنقف قليلا عند الضمير. فما هو الضمير؟ وما هي تلك الرقابة على النفس؟ وأين يقع الضمير؟ وما معنى غياب الضمير وضرر ذلك على البشرية؟ وما علاقة الضمير بالخطأ؟


الضمير هو وازع النفس، ومستلهم الهداية من الروح، وهو العقل الذي يفرق بين الخير والشر، هو المسؤول عن محاسبة النفس على الخطأ وفقا للمثل الدينية.


{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا*قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} (الشمس:7-10). وإذا غاب الضمير والوازع فجرت النفس، وانتشر الفساد في الأرض.


ووحدة غسل الكلى يجب أن تصاحبها وحدة معالجة مياه ذات خاصية معينة، حيث إن تلك المياه لها دور في عملية تنقية الكلى، فمثلا إذا احتوت المياه المستخدمة في أجهزة الغسل الكلوي على كالسيوم أو مغنسيوم أعلى من الحدود المطلوبة، فإن المريض سيعاني من الغثيان والتشنج والقيء، وإذا احتوت على نسبة عالية من النيترات فسيصاب المريض بالأنيميا الدموية، وإذا احتوت على نسبة عالية من الكبريتات فإنها قد تؤدي أحيانا إلى الوفاة. وكانت لي دراسة عن نوعية تلك المياه، وتبين تلك الدراسة أن وحدة معالجة المياه في كثير من الأماكن لا تؤدي دورها، فإما يتم تحويل المياه من دون المرور على بعض الفلاتر، أو أن الفلاتر تهالكت حتى لم تعد تؤدي دورها في التنقية، مما يؤدي إلى أن العديد من المرضى يصابون بالغثيان والدوخة، ونجد الطبيب يعالج ذلك بإعطائهم محلولا ملحيا لمحاولة ضبط كيمياء الدم من دون التنبه إلى أصل المشكلة.


في العديد من المراكز الطبية، التي قد تكون باهظة الثمن في تقديم العلاج، تتم إعادة استخدام أدوات، أو مستلزمات ذات استعمال مرة واحدة، من إبر أخذ العينات وبعض من المستلزمات الطبية، مثل السلك المرشد، القسطرات الباهظة الثمن، مثل القسطرات البالونية وقسطرات الأوعية الدموية، قفازات، وغيرها.. ويعللون ذلك بأنهم يقومون بتطهيرها عن طريق استخدام بعض المطهرات، أو تعقيمها في أفران التعقيم، وهو أمر بالغ الخطورة لسببين: الأول أن تلك الأشياء مصممة على ألا يتم تعقيمها مرة أخرى، فإذا ما أدخلت في وحدات تعقيم فسيتغير تركيبها الكيميائي، وستخرج مواد ضارة جدا بالصحة، وعند استخدامها للمرضى ستكون جالبة للمرض. والثاني في حالة استخدام مواد مطهرة لتطهيرها فإنها كذلك ستقوم بإخراج مواد ضارة بالإضافة إلى نقلها للعدوى، حيث إن التطهير ليس إلا الإقلال من جزيئات الميكروب والفيروس، ولكنه ليس تعقيما.


وبالنسبة إلى المستلزمات أو الآلات التي تعقم في كثير من الأحيان، يتم إغفال عملية التعقيم والاكتفاء بالتطهير، حيث إن التعقيم هو عملية معقدة ومكلفة، وهذا الوضع في معظم العيادات الطبية وفي كثير من المراكز الطبية التي لا يوجد لديها جهاز تعقيم بالبخار وغير قادرة على القيام بالتعقيم.


وعملية التعقيم تبدأ من غسل الأجهزة أو الآلات بالماء والصابون جيدا، وإزالة آثار الدماء، ثم تركها لفترة في مواد مطهرة، وبعد ذلك يتم تغليف تلك الآلات بغلاف معين به علامة يتغير لونها عند التعقيم، ثم إدخال تلك الآلات في جهاز التعقيم بالبخار في دورة كاملة، ثم التأكد بعد ذلك من كفاءة التعقيم بتغير لون العلامة، وأخذ عينات وتحليلها للتأكد من كفاءة التعقيم.


وفي كثير من المستشفيات، خصوصا أجهزة الشفط لا يتم تغيير الأنابيب الخاصة بها، فالأطفال عند الولادة يتم التشفيط لهم ولكن لا يتم تغيير الأنبوبة الخاصة بالجهاز! وفي العمليات الجراحية يستخدم كذلك الشفاط في كثير من الأحيان من دون تغيير أنبوب الشفط، مؤذنا بانتقال العدوى.


وقد حدث يوما أن انتقلت عدوى إلى كل من أجروا جراحات في خلال أسبوعين في وحدة عمليات معينة، وعند البحث وجد أن بعض المستلزمات الجراحية يعاد استخدامها بعد وضعها في محلول التطهير «سايداكس»، وأن المحلول قد انتهت صلاحيته، ومع ذلك يعاد استخدامه!


قسطرة تشخيصية


ولننتقل إلى مرتبة أخرى من اللاأخلاقيات، منذ حوالي خمسة عشر عاما بدأ العالم في محاولة اختراع أو إضافات لأجهزة لتفادي القيام بالقسطرة التشخيصية لمرضى القلب، فبدأ اختراع منظار الموجات فوق الصوتية للقيام بفحوصات القلب بدلا من القسطرة التشخيصية، ثم أخيرا القيام بإضافة مقطوعات معينة لجهاز الأشعة المقطعية حتى يصل إلى 300 مقطع، وهو الذي يمكن من فحص القلب وتفادي عملية القسطرة التشخيصية. لكن تلك الأجهزة الحديثة، واستخدامها بكل تأكيد أفضل للمريض من القيام بإجراء القسطرة التشخيصية وما لها كذلك من مخاطر، سيقلل من عمل السادة أطباء القلب الذين يقومون بعمل القسطرة التشخيصية، وهو دخل بكل تأكيد لا بأس به لهم، فيرفضون إخبار المريض بتلك الأجهزة الحديثة، وكذلك يشككون في كفاءتها. ولقد شاهدت مريضا بجلطة في القلب أصر جميع أطباء القلب الذين يقومون بإجراء القسطرة التشخيصية والعلاجية على القيام بإجرائها له ورفض استخدام الأشعة المقطعية الحديثة، وحين أصر المريض على إجرائها كانت النتيجة عجيبة، فهو لا يحتاج لا إلى قسطرة تشخيصية ولا إلى تركيب دعامات، فهو لا يحتاج إلى أكثر من علاج دوائي! إذن ما هو حق المريض في استخدام أكثر التقنيات حداثة لتوفير مشقة إجراء العمليات؟ وما هو حق المريض في الحصول على أفضل علاج من دون الزج به في استفادة شخصية لآخرين؟ وما هو حق المريض في معرفة الأخطار المتوقعة لاستخدام علاج معين؟


التقدم العلمي الآن أتاح معرفة إذا كان المريض يحتاج إلى قسطرة علاجية أم لا من دون الزج به في قسطرة تشخيصية، وبناء عليه، يتم تجهيز نوعية العلاج الذي يحتاج إليه من دعامات أو قسطرات بالونية بالمقاس الذي يحتاج إليه للقيام بالقسطرة العلاجية إذا لزم الأمر، أما أن أقوم بعمل القسطرة التشخيصية لتحديد المشكلة ثم البدء في تجهيز احتياجات المريض إذا لزم له علاج في الجلسة نفسها فهو أمر لم يعد مقبولا.


هشاشة العظام


هشاشة العظام أصبحت أمرا شائعا عند كبار السن، لاسيما السيدات، ومن دون تفكير يقوم الطبيب بكتابة علاجات الكالسيوم من دون النظر والتدقيق في سبب الهشاشة، ومن دون إعلام المريض بأن علاج الكالسيوم وتناوله لفترات طويلة يؤدي إلى أن يترسب على الشرايين مسببا تصلب الشرايين، ومشاكل في القلب، بالإضافة إلى أضرار كثيرة أخرى. وقد اكتشف العلماء أن سبب الهشاشة ليس نقص الكالسيوم كما يزعمون في أغلب الأحيان، وأن السبب في الهشاشة هو نقص مادة السيلينيوم. فقد ظهر أن أغلب المصابين بالهشاشة لديهم، بالإضافة إلى ذلك، الأنيميا، فوجد أن السبب وراء ذلك هو أن العامل الرابط لإدخال الكالسيوم والحديد في الخلايا لا يعمل بكفاءة، وذلك لنقص مادة السيلينيوم. إذن، قد يكون العلاج لمرضى الهشاشة هو تناول بعض الأغذية الخضراء الغنية بالسيلينيوم مثل الجرجير...إلخ.


مما سبق يتضح أن العديد من مشكلات الممارسة اللاأخلاقية عند استخدام منظومات الهندسة الطبية تكمن في الآتي:


1 - أن يجهل الطبيب المنظومة التي يعمل عليها، ولا يحيط علما بجميع جوانب الضرر أو الضرر المحتمل، والفائدة من استخدامها، وذلك يعود إلى عدم دراسة الطبيب لعلم الأجهزة الطبية. وفي تلك الحالة يكون الطبيب مظلوما والمريض كذلك لوقوع الضرر عليه عن غير قصد.


وإنني أدعو إلى تضمين دراسة مبسطة عن علوم الأجهزة الطبية في مقررات دراسة الطب أسوة بما هو متبع في كلية الهندسة لدراسة الهندسة الطبية، فهي تشمل دراسة العلوم الطبية الأساسية من تشريح وعلم وظائف الأعضاء وكيمياء حيوية... إلخ.


2 - أن يعتقد الطبيب أن كثرة الفحوصات للتشخيص هي أفضل من قلتها، لذلك لرغبته في الدفع بجميع الأسباب التي قد تكون مسببة للعارض. وهنا نجد أن هناك سببين لذلك: أولهما: ضعف الحس الإكلينيكي للطبيب، والذي يكون دائما أساس التشخيص. والثاني: هو البند الأول وعدم علم الطبيب بالأضرار المحتملة نتيجة التعرض لمنظومة طبية في غير احتياج.


3 - المصالح الشخصية والإهمال هي الآن من أشد الممارسات اللاأخلاقية، فارتفاع ثمن الأجهزة الطبية وتطورها السريع جعلا من بعض الذين يقتنونها يستخدمونها أحيانا من دون ضرورة طبية، وذلك للاستثمار، أو لا يقومون بإجراءات الأمان عند الاستخدام، وذلك أيضا بهدف التربح.


4 - سرعة التطور في الأجهزة الطبية ومحاولات العالم لاختراع الأجهزة التي تعظم الفائدة وتقلل وتعدم الضرر المحتمل أو الناتج، ومن ذلك كما سبق أن ذكرنا أجهزة الأشعة المقطعية المخروطية، والتي تعتبر الآن هي الثورة في عالم الإشعاعات، فهي تعطي صورة دقيقة للأنسجة، وهو أمر لم يكن قائما من قبل، بالإضافة إلى أن نسبة الإشعاع الصادر منها تقل عن مثيلتها بـ 97 في المئة. لكن ماذا فعلت مجتمعاتنا، فهي لم تستطع توفير مثل هذا التشخيص الباهظ الثمن، ويظل حتى الآن استخدام الأجهزة عالية الإشعاع، ومسألة حقوق الإنسان من التعرض لمخاطر الإشعاع وحقه في المعرفة بمختلف أنواع التشخيص والعلاج ليست في بؤرة الاهتمام.


5 - في مجتمعاتنا العربية يغفل حق المريض في المعرفة، في حين أن الدول الأوروبية وغيرها تنص على حق المريض في معرفة مرضه، وشرح جميع أركان العلاج وما قد يتعرض له من ضرر محتمل أو أعراض جانبية، وهذا يساهم جديا في نجاح العلاج.


فعلينا احترام حرية مخاطرة الإنسان بصحته وحياته من أجل تحقيق منفعة خاصة.


6 - وأخيرا علينا أيضا أن نعلم أن عدم معرفة الآن الأضرار التي قد يسببها استخدام الأجهزة الطبية الحديثة لا يعني عدم وجود أضرار لها، فعند اختراع أي جهاز جديد يعتبر هو الأكثر أمانا؛ لعدم معرفتنا ربما بأضرار له قد تكشف عنها الأيام. فالآن يجب أن يقدم للمريض أفضل علاج ناجع، وتستخدم في التشخيص أفضل الأجهزة الحديثة، إن كان المريض في احتياج لها، ولكن على الطبيب أن يحترس من جهة عدم التحدث عن الأمان الكامل لهذا التطبيق، ولأدلل على ذلك ففي أوائل القرن الماضي كان الطب يجيز استخدام الأشعة السينية في الكشف على المرأة الحامل، ولكن ماذا عن الآن؟ لقد أصبح مجرما استخدام فحوصات الأشعة السينية في الكشف على الأجنة، واستبدلت أجهزة الموجات فوق الصوتية بها، وهي بكل تأكيد أكثر أمانا من أجهزة الأشعة السينية في حالة استخدامها المقنن.


7 - إن عدم تخصيص أبنية خاصة لخدمات الرعاية الصحية والعلاجية يؤدي أحيانا إلى تلوث البيئة المحيطة، خصوصا مراكز الأشعة بأنواعها ومراكز الغسل الكلوي.


وفي النهاية، إن من أخلاقيات استخدام الأجهزة الطبية في العلاج ألا تكون سببا في انتشار العدوى، أو الإساءة إلى كرامة الإنسان، أو أذى يصيب الجسم مع استقلال الجسم البشري أو ضرر قد يصيب الإنسان بسبب سوء الاستخدام، وألا تكون الفائدة المرجوة أقل من الضرر الذي قد يصيب الجسم البشري، مع المساواة في تقديم سبل العلاج لجميع البشر من دون تفرقة أو تمييز.


ولا يخضع المريض للعلاج أو البحث من دون موافقة رسمية منه، على ألا تصبح تلك الموافقة هي صورة لحماية الطبيب تؤخذ روتينيا قبل إجراء العمليات الجراحية ومن دون شرح للمريض عن نوعية العلاج الذي سيتلقاه ومخاطره.


ويجب على الطبيب والهيئة المعاونة بذل كل العناية والاحترام والرعاية للجسم البشري للحفاظ على الإنسانية، مع استمرارية التعلم حتى يقدموا أفضل رعاية ويكونوا على علم بأحدث أساليب العلاج وأفضلها، فقديما كان يسمى الطبيب حكيما؛ لأنه يجب أن يمتلك الحكمة ولا يكون سببا في ضرر.


{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } (البقرة:179)


بهذا الالتزام بمبدأ حق الحياة والمعرفة، وحرية الإرادة للإنسان، وكرامة الجسم البشري وعدم انتهاكه والحفاظ على خصوصيته، وبالتشدد في توقيع الجزاء على أي عدوان عليه سارت الشريعة في مقدمة الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان.


والتي منعت تماما أن يحول الجسم البشري أو جزء منه إلى مصدر للكسب.


وأنهي قولي بحديث رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" : «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه».