Skip Ribbon Commands
Skip to main content
 
 
 

​دراسات/


د. محمد الفاتح حمدي

كاتب صحفي


يقول الكاتب والأكاديمي الفرنسي الشهير «ريجيس دوبريه»:

​مخاطر الإعلانات ا​لتلفزيونية على القيم



6.jpg


«إن عالم الصورة الإعلانية التلفزيونية، يندرج ضمن حرب اقتصادية ضاربة لا هوادة فيها، فحركة الصورة تتعلق أساسا بحركة تجارية، وتباشر صناعة مهمة تتحكم فيها مصالح هائلة وأموال طائلة، وهو الوضع الذي يحول الصور الإعلانية من تحف فنية ذات قيمة جمالية إلى مجرد منتوج تجاري بقيمة مادية، ولذلك فإذا كانت الحرب استمرارا للسياسة بوسائل أخرى، فالاقتصاد السمعي البصري هو تصريف للسياسة الدولية بوسائل أخرى، فالصراع الذي تخوضه الولايات المتحدة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، اعتمد على السينما بشكل أساسي، لأنه حين يمر فيلم أميريكي تمر معه السيارة الأميريكية وغيرها من منتوجات الاقتصاد الأميريكي. إن صناعة الحلم حددت في هذا السياق كأداة أساسية للهيمنة والتحكم، فمن المؤكد – كما يقول ريجيس دوبريه -: أن الصورة تتضمن قدرة هائلة على الاستحواذ على وعي الناس وانتباههم وأذهانهم، وتنفذ إلى زمانيتنا الخاصة، إنها اجتياح لحميميتنا الفردية».


تمهيد.


شهدت المجتمعات العربية تطورا كبيرا على مستوى كل مجالات الحياة في ظل الانتشار الكبير لتكنولوجيا الاتصال والإعلام الحديثة، حيث أصبحت هذه المجتمعات تعيش في عالم مفتوح على مصراعيه، في ظل العولمة الإعلامية، متأثرة بما يشهده الغرب من تحولات على المستوى الاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي، والثقافي والرياضي، والإعلامي، خصوصا مع التطور الكبير الذي يشهده البث الفضائي، وقد استقطبت مسألة الاستقبال التلفزيوني المباشر منذ التسعينيات اهتمام الجميع في العالم العربي، من سياسيين ومفكرين وباحثين اجتماعيين ومختصين بمجال علوم الاتصال والإعلام. كما أثارت هذه القضية جدلا واسعا في مختلف الأوساط، واتخذت السلطات في العديد من الأقطار العربية تجاهها مواقف متباينة. وربما كان سبب تخوف الكثيرين من ظاهرة البث الفضائي المباشر هو الحفاظ على الهوية الثقافية المحلية، في الوقت الذي تحاول فيه الولايات المتحدة الأمريكية اختراق الثقافات المحلية في كثير من دول العالم، ومن بينها الثقافة العربية الإسلامية. ولقد ساهم البث الفضائي المباشر في تعريف الشعوب العربية والإسلامية بشتى الثقافات، والعادات والتقاليد، والعلوم والفنون السائدة في شتى المجتمعات العالمية، في إطار ما يعرف بحوار الحضارات والثقافات بين الشعوب. وما نلاحظه في واقعنا وداخل أسرنا بخصوص التزايد الكبير واللافت للانتباه للقنوات الفضائية الأجنبية والعربية التي غزت بيوتنا ومؤسساتنا، حيث أصبحت هذه القنوات الفضائية قادرة على تخطي الحواجز والحدود الجغرافية والسياسية، وتجاوز الرقابة التقليدية، وتنامي قوة المنافسة بينها على استقطاب المشاهدين، مما جعل المشاهد يواجه كما هائلا من الصور والأفكار والبرامج والرؤى، لم تكن معتادة لديهم في البيئة المحلية الخاضعة للرقابة الرسمية. لقد أصبحت مشاهدة هذه القنوات متاحة وميسرة للمتلقي، وأصبح التعرض للقنوات الفضائية بين أوساط الجمهور الجزائري يتحرك وسط مئات الخيارات المتاحة من القنوات والاتجاهات الفكرية والسياسات الإعلامية، وهو الأمر الذي يترتب عليه انعكاسات متباينة على الصعيد الأخلاقي والقيمي والتربوي، والاجتماعي والسياسي، ومن بين هذه الخيارات المتاحة من القنوات نجد قنوات الموسيقى والغناء، والمسلسلات والدراما، وقنوات الرياضة والألعاب، وقنوات الأخبار والبرامج الحوارية، وقنوات الجنس والإثارة، وقنوات الإعلانات التجارية والخدمات، وغيرها كثير، حيث تبث برامجها عبر الأقمار الصناعية المتعددة (العربية والأجنبية)، والتي يصل بثها إلى كل البيوت الجزائرية والعربية، ويبقى أمام المشاهد اختيار البرنامج والقناة المفضلة التي تلبي رغباته وحاجاته من المشاهدة اليومية.


دور القنوات الفضائية العربية


كل هذا التنوع في القنوات المتخصصة والموضوعاتية والجامعة - الحكومية والخاصة - ساهم في تفتيت الجماهير إلى فئات معينة، حسب الرغبات والإشباعات التي تحققها هذه القنوات الفضائية. فنجد مثلا - حسب دراسات عربية كثيرة (1) - جمهور الأطفال يفضل قنوات الأطفال، مثل «قناة الجزيرة للأطفال»، وجمهور الشباب الذي يفضل القنوات الرياضة، وقنوات الموسيقى والغناء والأفلام، مثل «قناة الجزيرة الرياضية، دبي الرياضية، وقنوات روتانا وقناة 2 MBC» وغيرها كثير، ونجد جمهور ربات البيوت اللواتي تفضلن قنوات المسلسلات والطبخ والصحة والقنوات الدينية وغيرها. فهذا التنامي الكبير في عدد القنوات الفضائية العربية وبرامجها هو خدمة للمشاهد العربي من جهة، والربح والتجارة من جهة أخرى، وهذا ما أدى إلى زيادة بحجم كبير في عدد البرامج الإعلانية والإعلامية التي تنتجها، حيث تسعى كلها إلى استقطاب أكبر قدر من المشاهدين إليها من خلال تركيزها على البرامج المثيرة التي تستقطب أكبر شرائح المجتمع، مثل فئة الشباب التي تفضل بحجم كبير برامج المباريات الرياضية المثيرة، والأفلام والمسلسلات والأغاني والحوارات مع نجوم الرياضة والفن والغناء، وأيضا تنظيم المسابقات والألعاب، حيث يتم التركيز على نوعية الجوائز المالية المغرية، وذلك بهدف كسب مشاركة قياسية من الجمهور، والتصويت عبر الرسائل القصيرة، وكل ذلك من أجل تحقيق أرباح كبيرة للقناة، بالإضافة إلى بيع مساحات إعلانية للمؤسسات ووكالات الإعلان داخل هذه البرامج وبأسعار خيالية في الكثير من القنوات التي تشهد إقبالا على برامجها مثل قناة «MBC1 ومختلف قنواتها»، وأيضا قنوات الجزيرة الرياضية وأبوظبي ودبي وروتانا، وغيرها كثير.


وظائف الإعلان في حياتنا اليومية


إن الوظيفة الأساسية للإعلان الذي يبث عبر برامج القنوات الفضائية العربية، هي إيصال الرسالة الإعلانية لجمهور المستهلكين، والتي تعتمد بدورها على جذب الانتباه كأول خطوة للإعلان الناجح، وهي مهمة لم تعد سهلة في ظل التطورات الكبيرة في وسائل الاتصال والإعلام الحديثة، حيث يتطلب الأمر وجود إعلان متميز يجذب انتباه الجمهور وسط هذا الكم الهائل من الإعلانات، مما حفز على استخدام العديد من تقنيات وأساليب الإعلان لتحقيق هذا الغرض، خاصة وأن التلفزيون بوصفه وسيلة إعلانية تتميز بالعديد من الخصائص، كتقديم الرؤية والصوت والحركة، والتي تعطي للمعلنين مرونة إبداع هائلة، وذلك يتحقق نظرا لتفاعل الصورة مع الصوت، مما يمنح فرصة إبداعية هائلة، ومرونة في تصميم الرسالة ويجعل من الممكن خلق تمثيل درامي مماثل لحقيقة السلع والخدمات. وما تقوم به الإعلانات التلفزيونية أنها تعكس صورة السلعة والجو المحيط بها، وتخلق جوا عاطفيا واستمالات مسلية، تساعد في إظهار السلع العادية بصورة مبهرة.


لقد أصبح الإعلان صناعة تقوم على أسس فنية وعلمية، تشترك فيها كل علوم التأثير، ابتداء من مبادئ الإحساس والتنبيه والمؤثرات الصوتية واللونية والمركبة والإيقاعية، وفي الإعلان تمارس أكثر درجات التقنية التلفزيونية تطورا، كي تأتي الرسالة الإعلانية مكثفة، قوية، مؤثرة، فاعلة، تخترق الوعي مباشرة، وتتراكم في الذهن بلا حاجة إلى تأمل أو تحليل, أهم شيء فيها هو التفاعل مع هذه الرسالة والاستسلام لها ولتأثيرها. ومن أجل ذلك توظف شركات الإعلانات العالمية الخبراء في علم النفس والتحليل النفسي وعلم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع، لدراسة دوافع الجمهور وسلوكه وعاداته وقيمه وتفضيلاته ونقاط مقاومته ونقاط تجاوبه، كما تدرس تأثير الجماعة وضغوطاتها، والمحاكاة التي قد تتحول إلى عدوى، عن طريق هذه المعرفة الدقيقة، تقدم الإعلانات كي تجد منافذ التقبل مفتوحة أمامها، وكي تتجنب الاصطدام بنقاط المقاومة.


وفي هذا الإطار، «تشهد القنوات الفضائية تنافسا كبيرا فيما بينها، من أجل جلب أكبر قدر من المعلنين إليها، وذلك من خلال بيع فترات زمنية مهمة (فترات الذروة) على البرامج التي تستقطب حجما كبيرا من المشاهدين، وذلك بأثمان باهضة، خصوصا فترات الذروة، لأن الإعلان يعد موردا أساسيا في المحطات الفضائية، لذا توليه عناية فائقة من حيث الميزانية المرصودة، وكتابة السيناريو وأداء الممثلين ولغة التصوير، وتوظيف الألوان، وتدرجات النور أو الظلال، وطريقة توزيع الأشياء في الفضاء، وفي استعمال الموسيقي والمؤثرات الصوتية. ويترك للجمهور المشاهد الحكم بنجاح أو فشل الإعلان التلفزيوني، وهو الذي يقبل أو يرفض المعلومات التي تعرضها الرسالة الإعلانية. فالإعلان التلفزيوني الناجح هو الذي يأخذ بعين الاعتبار طبيعة الجمهور المستهدف، باعتباره نظاما متكاملا ومتفاعلا من السمات العامة والسمات الاجتماعية والفردية والسلوكية» (2)، والمتتبع لبرامج القنوات الفضائية يلاحظ أن أغلب القنوات أصبحت تبث برامج الإعلانات في محتوى البرامج المقدمة، خصوصا البرامج التي يزيد عليها الطلب من قبل الشباب، مثل المباريات الرياضية والأفلام والمسلسلات والأغاني والألعاب والمسابقات الكبيرة وبعض البرامج الحوارية المثيرة على شكل فواصل إعلانية، وهذا ما يجعل حجم المشاهدة لهذه الإعلانات ترتفع مع مرور الأيام، وكلما زاد حجم المشاهدة للبرامج ذات الشهرة الكبيرة ارتفع معه ثمن الزمن المخصص لفترة بث الإعلانات.


مخاطر الإعلانات التلفزيونية على الفرد والمجتمع


إن المتتبع للقنوات الفضائية العربية، يلاحظ بأن حصة الإعلانات التي تبث في العديد منها، تكاد تساوي المدة الزمنية المخصصة لبعض البرامج اليومية، مما يجعل المشاهد مكرها على متابعتها، والتي قد تحمل في أغلبها إيحاءات تتنافى مع قيمنا وعاداتنا وأعرافنا، والمعايير السائدة داخل مجتمعاتنا الإسلامية والعربية، من خلال توظيف المرأة بشكل يثير الانفعالات والشهوات، ويحرك الغرائز الجنسية لدى الجمهور بعرضها بلباس غير محتشم. وهذا ما أكدته العديد من الدراسات العربية التي ترى بأن «الإعلان في القنوات الفضائية العربية والأجنبية يخاطب الغرائز الجنسية، من خلال الرقص والغناء والحركات التي تقدم بها الموديلات داخل الومضات الإعلانية، وما يحققه المنتج من انتعاش وقتي، وسعادة لحظية بمجرد تناول بعض السلع الاستهلاكية، مثل المشروبات الغازية، وهو بذلك لم يركز على المنتج أو قيمته وفائدته، وإنما أعطى صورة أبعد ما تكون عن قيمنا وعاداتنا وتقاليدنا، من الاختلاط بين الجنسين بصورة مستفزة، لم يرض عنها الكثير من أفراد المجتمع العربي والإسلامي» (3). هذا في ظل غياب المراقبة من قبل السلطات المعنية، أو في ظل سيطرة أصحاب المال والأعمال على مختلف وسائل الإعلام والأسواق التجارية، إذ لا يهمهم سوى الحصول على أرباح كبيرة، من خلال الوصول إلى أكبر عدد من مشاهدين للومضات الإعلانية المقدمة في القنوات الفضائية. أما مراعاة القيم والعادات والتقاليد السائدة داخل المجتمعات العربية والإسلامية بالنسبة لهم، فهي في آخر الاهتمامات أو غير موجودة إطلاقا، مادام الهدف الأسمى هو تحقيق الربح والكسب الكثير، وتحقيق حجم أكبر من المبيعات، حتى ولو كان على حساب منظومتنا القيمية.


وفي ظل تزايد الفترات الإعلانية في القنوات الفضائية العربية، وخصوصا الإعلانات المستوردة من الدول الأجنبية، أصبح شبابنا في ظلها تائها قد يقلد كل ما يشاهده عبر هذه الومضات الإعلانية، والتي على الرغم من قصر المدة الزمنية للومضة الإعلانية التلفزيونية فإن أثرها قد يكون عميقا، خاصة عندما يتكرر عرضها أكثر من مرة، حيث تصبح مطبوعة في ذهن المتلقي، وهذا ما يؤكده المفكر الجزائري عزي عبدالرحمن قائلا: «إن التأثير يكون إيجابيا إذا كانت محتويات الرسائل الإعلانية وثيقة الصلة بالقيم، وكلما كانت الوثائق أشد كان التأثير إيجابيا، وبالمقابل يكون التأثير سلبيا إذا كانت المحتويات لا تتقيد بأي قيم، أو تتناقض مع القيم، وكلما كان الابتعاد عن القيم أكبر، كان التأثير السلبي أكثر» (4). وقد يكتسب الشباب من مشاهدته لتلك الإعلانات المختلفة وفي فترات متعددة العديد من السلوكيات والعادات الغريبة عن مجتمعنا، سواء أكانت مفيدة أو مضرة بالنسبة له، وذلك تحت شعار الموضة والتفتح على الآخر، ومواكبة تطورات العصر، وما نشاهده يوميا في واقعنا الحاضر من مظاهر غير اعتيادية في اللباس والأكل والحوار والعلاقات الاجتماعية، خير دليل على التغيرات والتحولات الحاصلة داخل المجتمع الجزائري، والتي قد يكون لبرامج الإعلانات التلفزيونية دور كبير في هذا التغيير السلوكي والقيمي، سواء على مستوى الأسرة أو المجتمع.


لقد جعلت القنوات الفضائية بمختلف برامجها نسبة كبيرة من الشباب العربي يعيش في عالم خيالي، بعيدا عن مجتمعه وأسرتـه، لا يدرك ماذا يفعل فيه، يفكر دوما في محاولة الوصول إلى هذا العالم المثالي الذي صورته وزرعته وسائل الإعلام والاتصال المختلفة في مخيلته، مما «ولد لدى شبابنا مرض الإحباط والقنوط واليأس من واقعه المعاش، وخصوصا في حالة عدم قدرته على امتلاك ما تسعى القنوات الفضائية العربية لترويجه من خدمات متنوعة، وقد يعود ذلك لظروفه الاجتماعية، والاقتصادية الصعبة التي يتخبط فيها، لأن أغلبيته - الشباب - في هذه المرحلة يكون مرهف الحس، شديد الحساسية، ويتأثر تأثرا بالغا بنقد الآخرين، ويستغرق في أحلام اليقظة، ويحقق عن طريقها ما لم يستطع تحقيقه في الواقع» (5)، وهذا ما يجعله يشكل صورة نمطية لحياة جديدة، صنعتها برامج الإعلانات الفضائية في مخيلته، وفي حالة عدم قدرته على تحقيق ذلك قد يتصرف تصرفات تسيء لأسرته ومجتمعه وحتى لشخصه.


إن تركيز القنوات الفضائية العربية على الإعلانات كمورد اقتصادي أساسي، يجعلها تهمل المبدأ الذي وجدت من أجله، وهو تلبية رغبات ومتطلبات الشباب، الذي يأمل دوما لمشاهدة برامج وحصص تلفزيونية تعبر عن رغباته وتطلعاته، ولكن في الغالب يجد نفسه يشاهد ومضات إعلانية متنوعة، لا تعبر عن حاجاته الأساسية وطموحاته المستقبلية، أقل ما يقال عنها: إنها ترويج للثقافة الغربية الاستهلاكية القائمة على مبدأ الماديات، لذا «يذهب بعض الشباب لشراء وفعل أشياء لا لزوم لها، تؤدي إلى الانحراف في السلوك، وتضييع الحدود، وتكثر التناقضات في صفوف هذا الجيل الفتي الذي يصبو إلى مجاراة صيحات العصر والموضة، والمبالغة في مجاراتها، ولو على حساب باقي أفراد أسرته، أو على حساب القضايا الأساسية في الحياة» (6). إن ما تسعى له القنوات الفضائية العربية والأجنبية وغيرها من وسائل الاتصال والإعلام، من خلال برامجها، هو تكوين جيل من الشباب لا يدرك ولا يشعر بما يقوم به من سلوكيات في حياته اليومية، وكأنه مخدر بما يصله يوميا من برامج مسمومة، وذلك من خلال ترويج لإعلانات أجنبية، تقوم على معادلة توضح كيفية نجاح «والت ديزني» و«الماكدونالدز» في غزو الثقافة العالمية التي وضحها «بن يامين بوربار» (Benjamin Borber)» في أن سبب نجاح استعمار والت ديزني للثقافة العالمية يكمن في ظاهرة قديمة قدم الحضارة الإنسانية، وهي المنافسة بين الشاق والسهل، والبطيء والسريع، وبين المعقد والبسيط. فكل أول من هذه الأزواج يرتبط بنتاج ثقافي، يدعو للإعجاب والإكبار، وكل ثان من هـذه الأزواج يتلاءم مع لهونا وتعبنا وخمولـنا. إن «ديزنـي» وماكدونالد»وmtv تروج لما هو سهل وسريع وبسيط» (7)، وهذا ما يؤدي إلى إحداث زعزعة في قيم الشباب الجزائري والعربي، كما يؤدي ذلك إلى حدوث اضطرابات في سلوكياته وأفكاره من خلال تنازله عن العديد من القيم التي منبعها الثقافة الإسلامية، وتشربه جملة من القيم التي تبث من خلال الفواصل الإعلانية المستوردة، تحت شعار التقدم والعصرنة والموضة - عبر نافذة البث الفضائي المباشر - والتي تروج للعديد من القيم المادية والاستهلاكية، والتي يطبعها الإغراء والإغواء، وإظهار مفاتن النساء، والاختلاط بين النساء والرجال، بالإضافة إلى إظهار الخمور والعلاقات الغرامية والممارسات الجنسية على المباشر، دون حذف بعض المشاهد المثيرة للشهوات، مما يؤدي به إلى الوقوع في المحرمات من خلال المشاهدة المتكررة لتلك المشاهد الإباحية التي تزرع في نفوس الشباب الروح الانهزامية.


يعد تكرار تلك الومضات الإعلانية بشكل كثيف عبر البرامج التلفزيونية خطرا على شبابنا، من حيث إنها «تخاطب قلب الشباب المولع باستخدام كل شيء جديد إذا أمكن له ذلك. فالسيارة الجديدة تستأثر الشاب، وخاصة عند عرضها في الإعلانات، والموضات الحديثة التي تسيطر على تفكير معظم الشباب، لأن للإعلان قوة تأثيرية على هذه المرحلة المهمة من حياة الإنسان - مرحلة الشباب - حيث يحرك الدوافع الكامنة داخله، فيلجأ الشباب إلى تلبية هذه الدوافع عبر السؤال عن موضوع الإعلان أو عن السلعة أو الخدمة المعلن عنها، ثم يذهب ويفكر بالجواب مليا، وعند عدم قدرته على شراء السلعة، أو الخدمة، يتبادر إلى ذهنه الشراء بالتقسيط أو بقرض من المصرف، وهكذا يصبح مدانا، يسدد كل شهر أقساطا، وتصبح حياته بالتقسيط، ولا يستطيع تحقيق التوازن المالي في حياته، لأن مصاريفه أكثر من دخله، ومن المؤسف أن فئة غير قليلة من الشباب العربي تعيش هذه الحالة السلوكية الاستهلاكية غير الرشيدة (8)، ويقول في هذا الشأن «ماركوس» في كتابه «التحليل الآتي للاستهلاك»: «إن المستهلكين يرون أنفسهم في السلع التي يستعملونها، حيث يجدون نشوتهم في سياراتهم، وفي حجم وشكل منازلهم، وفي الأجهزة التي يستعملونها. فالميكانيزمات التي تربط الفرد بمجتمعه قد تغيرت» (9)، فلم يعد الأفراد داخل المجتمع يولون مكانة للصدق والأمانة والصبر. فالإنسان الناجح اليوم يقوم على أساس ما يملكه، وهذه الفكرة أكدها «برمان ماركوس» من خلال الدراسات التي قام بها، حيث توصل إلى أن حياة الأفراد تتميز اليوم بالامتلاك، كما أن بعض الممتلكات لها معان قوية ورمزية» (10).


الإعلانات التلفزيونية والشباب


والمقصود أن كثرة الومضات الإعلانية التي تحتوى على مشاهد غير أخلاقية في بعض الفضائيات العربية التي دخلت بيوتنا من دون استشراف منا، تشكل هذه الأخيرة - الومضات الإعلانية التي تحتوى على لقطات خليعة - خطرا كبيرا على قيم شبابنا، ونحن نعاينها دون أن نحرك ساكنا قبلها، بدعوى التحضر والانفتاح والتعرف على ثقافات الآخرين، ومن دون أن نقوم بتوجيه وإرشاد شبابنا فيما يختارونه من أفلام ومسلسلات وأخبار وأفلام كارتونية، تناسب مرحلة نموهم مع مراعاة البيئة التي يعيشون فيها، كما أننا أصبحنا غير مهتمين (بصفتنا أولياء) بالحوار مع أبنائنا في العديد من القضايا التي أصبحت تشكل حاجزا داخل الأسرة الجزائرية، ممنوع الحديث فيها مع الأبناء، مثل العلاقات الجنسية والزواج والعلاقات الغرامية، والصداقة والتعارف والحب وتبادل المعلومات، والغيرة على اللغة العربية، وطريقة اختيار الأصدقاء، واختيار القدوة الصالحة في المجتمع، وطريقة التفكير والحوار، والقناعة في العيش بما نملك من قدرات مادية، تناسب مكانتنا الاجتماعية، كما تجنبنا الإسراف والتبذير وطريقة اللباس والأكل وغيرها من العادات، التي يجب علينا فتح الحوار فيها بشكل مستمر، وهذا ما يدفع بشبابنا خلال مراحل نموهم إلى اللجوء للبث الفضائي وغيره من الوسائل الإعلامية والاتصالية، لمعرفة بعض المسائل التي تعد من الممنوعات، بحكم حب الاطلاع والاستزادة في هذا المجال، وخصوصا في مرحلة المراهقة التي يميل فيها الشاب إلى محاولة اكتشاف ومعرفة العديد من القضايا المرتبطة بشخصيته، ومراحل نموها، وكيفية الظهور، وإثبات وجوده داخل الجماعة التي يعيش معها، ومن أجل إشباع رغباته وحاجاته في هذا المجال الذي كان يصنف بالنسبة له من الممنوعات داخل الأسرة وذلك في ظل غياب دور الأولياء في تلقين أبنائهم لهذه الأمور التي جاء بها الدين الإسلامي، والتي حث على الحديث فيها ومناقشتها، والحوار بخصوصها مع الأبناء، حتى لا تبدو غريبة وجديدة عنهم في الوقت ذاته، مما يدفعهم للبحث عنها في قنوات أخرى تزيف الحقيقة، وتحطم العادات والتقاليد والمبادئ السامية، داخل الأسرة والمجتمع على حد سواء.


إن ما يشاهده الشباب العربي من ومضات إعلانية متنوعة عبر بعض برامج القنوات الفضائية العربية، والتي يغلب عليها طابع الترفيه والتسلية المبالغ فيهما، والإغراء والإغواء من خلال إظهار مفاتن النساء، وظهور النساء مع الرجال في أفلام إعلانية خليعة تروج للممارسات الجنسية، وترويجها للمسابقات من خلال القدرة على دخول عالم الشهرة والنجومية أو الربح السريع، وذلك بالمشاركة في تلك البرامج والتفاعل معها، وفي ظل تزايد بث هذا النوع من البرامج المغرية قد يكون لذلك انعكاس خطير على حياة الشباب، يدفع بالكثير منهم إلى الانفصال التدريجي عن الـواقع الذي يعيش فيه، فقد تصور للشباب - الإعلانات التلفزيونية - أن الحياة تجري علـى أساس النمـط الذي يشاهدونه في الأفلام والمسلسلات، وأنها دوما هادئة وملونة، وهذا في حقيقة الأمر عزل اصطناعي للشباب عن واقع الحياة كلها بكل ما فيها.


الهوامش


1- انظر دراسات جزائرية أنجزت في هذا الشأن، مثلا: دراسة، عبدالله بوجلال، (وآخرون): القنوات الفضائية وتأثيرها على القيم الاجتماعية والثقافية والسلوكية لدى الشباب الجزائري، ودراسة أخرى للباحث، محمد الفاتح حمدي: استخدامات الشباب الجزائري لتكنولوجيا الاتصال والإعلام الحديثة وانعكاساتها على قيمهم.


2- شدوان علي شيبة: الإعلان، المدخل والنظرية، (مصر: دار المعرفة الجامعية، 2005)، ص: 28 بتصرف.


3- رجاء الغمراوي: الإعلان التلفزيوني وثقافة الاستهلاك، (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، ط1، 2011)، ص: 148بتصرف.


4- عزي عبد الرحمن: الثقافة وحتمية الاتصال، نظرة قيمية، مجلة المستقبل العربي، السنة26، العدد(295)، أوت/سبتمبر، 2003.


5- محمد مصطفى زيدان: النمو النفسي للطفل والمراهق ونظريات الشخصية، (جدة: دار الشروق للنشر والتوزيع والطباعة،1990)، ص:53.


6- مصطفى عبدالقادر: الشباب بين الطموح الإنتاجي والسلوك الاستهلاكي، (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، 2004)، ص:84.


7- محمد شطاح: التلفزيون والطفل، مجلة المعيار، قسنطينة: جامعة الأمير عبدالقادر، العدد (07)، ديسمبر 2003، ص:91.


8- مصطفى عبدالقادر: مرجع سابق، ص: 82 بتصرف.


9- محمود عودي: «أساليب الاتصال والتغير الاجتماعي، دراسة ميدانية في قرية مصرية»، (القاهرة: سلسلة علم الاجتماع المعاصر، 1980)، ص: 179.


-10Berman,Ronald :«Advertising and social chang», sage publications, Beverly Hilles, 1992, P 127.