Skip Ribbon Commands
Skip to main content
 
 
 

​لغة وأدب/

​ذوو اللسانين


د. أحمد حسين بكر


أستاذ اللغة الفارسية وآدابها



لم يكن انتشار اللغة العربية في بلاد الفرس بعد الفتح الإسلامي من قبيل هيمنة لغة الفاتح المتغلب على أبناء الأمة المغلوبة، فقد أقبل الفرس على تعلم اللغة العربية بعد أن دخلوا في دين الله أفواجا، وذلك لإيمانهم بأن تلك اللغة ليست لغة قومية تخص العرب وحدهم، وإنما هي لغة المسلمين جميعا، فهي لغة القرآن الكريم، والإقبال على تعلمها من الدين، فهي أداة العلم ومفتاح التفقه فيه.


وقد عبر الثعالبي (429هـ) عن هذه العاطفة في قوله: «من أحب الله تعالى أحب رسوله محمدا  " صلى الله عليه وسلم" . ومن أحب الرسول العربي أحب العرب. ومن أحب العرب أحب العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته إليها» (1).


ولقد ساعد على انتشار اللغة العربية بين الفرس كونها لغة السياسة والإدارة والعلوم الدينية والأدبية والعقلية، وكان ينبغي على من يريد أن يبزغ نجمه في هذه المجالات أن يتعلم لغتها، ولهذا انطلق الفرس في تعلم اللغة العربية وخدمتها، فقد كان على الأديب أن يتعلم العربية وفنونها البلاغية، ويطلع على آثار مشاهيرها قبل أن يشرع في الإبداع بلغته الفارسية أو باللغة العربية.


أما خدمة الفرس للغة العربية فلا يمكن إنكارها، ويكفي أن أشهر الكتب الموضوعة في قواعد تلك اللغة هو كتاب سيبويه (180هـ).


وهكذا راجت اللغة العربية في بلاد فارس وانتشرت شيئا فشيئا، ولم يكد القرن الثاني الهجري ينتهي حتى كانت العربية هي اللغة الرسمية للبلاد.


وحافظت هذه اللغة على مكانتها الرفيعة حتى بعد انبعاث القومية الفارسية من جديد وعودة الفرس إلى لغتهم الأصلية، فقد ظلت لغة لأهل الفضل والعلم والأدب، يتسامرون بها في مجالسهم ويتبارون في إظهار تمكنهم منها، ومن هنا ظهرت ظاهرة ذوي اللسانين.


و«ذوو اللسانين» مصطلح يطلق في الأدبين العربي والفارسي على أولئك الأدباء الذين كانوا يكتبون باللغتين العربية والفارسية. وهناك مصطلحان آخران يطلقان على هؤلاء الأدباء، وهما: «ذوو البيانين» و«ذوو البلاغتين» (2).


ويشترط البعض في من يطلق عليه هذا المصطلح أن يكون من أصحاب المقام الأدبي الرفيع في كلتا اللغتين.


ويمكن تقسيم ذوي اللسانين إلى مجموعتين: الشعراء والعلماء.


الشعراء


وتضم مجموعة الشعراء عددا كبيرا من أبرز شعراء إيران على مر العصور، مثل: أبي الفتح البستي (400هـ)، ورابعة القزدارية (ق4هـ)، والنطنزي (497هـ)، ومسعود سعد سلمان (515هـ)، وعمر الخيام (517هـ)، وسعدي الشيرازي (691هـ)، وجلال الدين الرومي (672هـ)، وركن الدين دعويدار (ق7هـ)، وحافظ الشيرازي (791هـ)، ونور الدين الجامي (898هـ)، وهاتف الأصفهاني (1198هـ)، وأديب البيشاوري (1349هـ).


ومن هؤلاء الشعراء من يحتوي ديوانه على قسم كامل للأشعار العربية، مثل: سعدي الشيرازي وجلال الدين الرومي وأديب البيشاوري وركن الدين دعويدار.


ومنهم من تناثرت أشعاره العربية في ثنايا ديوانه الفارسي، مثل: حافظ الشيرازي وهاتف الأصفهاني.


ومنهم من احتفظت لنا كتب الأدب والتراجم بنماذج من أشعاره العربية، مثل: عمر الخيام.


ومنهم من ذكرت كتب التاريخ والأدب أنه كان له ديوان بالعربية إلى جانب ديوانه الفارسي، مثل: أبي الفتح البستي، الذي ذكر عوفي في «لباب الألباب» أنه رأى له ديوانين أحدهما بالعربية والآخر بالفارسية (3).


ويعد سعدي الشيرازي واحدا من أشهر الشعراء ذوي اللسانين، فهو ذلك الحكيم الذي درس اللغة والأدب والبلاغة والفقه والحديث والتفسير في المدرسة النظامية في بغداد، وعاش في بلاد العرب سنوات طوالا قبل أن يرجع إلى شيراز.


وللسعدي أشعار عربية كثيرة، نشرت في قسم خاص من أعماله الكاملة. ولعل قصيدته في البكاء على بغداد بعد سقوطها في يد المغول سنة 656هـ ومقتل الخليفة المستعصم بالله (640-656هـ) من أهم أشعاره العربية وأطولها، وهي القصيدة التي يقول في مطلعها:


حبست بجفني المدامع لا تجري


فلما طغى الماء استطال على السكر


نسيم صبا بغداد بعد خرابها


تمنيت لو كانت تمر على قبري


أما عمر الخيام فهو الشاعر الذي عرفه العرب برباعياته الفارسية الشهيرة التي ترجمت إلى اللغة العربية ترجمات عديدة، ولم يعرفوه شاعرا عربيا على الرغم من أشعاره العربية التي تقبع في بطون الكتب مثل «خريدة القصر» للعماد الأصفهاني، و«تاريخ الحكماء» للقفطي، و«نزهة الأرواح» للشهرزوري، و«الإيضاح» للخطيب القزويني.


ولهذه الأشعار أهمية كبيرة؛ إذ يمكن إلقاء الضوء من خلالها على زوايا جديدة في حياة الخيام، كما أنه يمكن الاستفادة منها في الحكم على شخصية الخيام التي ذهبت فيها الأقاويل كل مذهب بسبب الرباعيات التي تنسب إليه، إذ كيف يوصف بالإباحة والخلاعة والكفر والإلحاد والزندقة وهو القائل (4):


أصوم عن الفحشاء جهرا وخفية


عفافا وإفطاري بتقديس فاطري


وكم عصبة ضلت عن الحق فاهتدت


لطرق الهدى من فيضي المتقاطر


فإن صراطي المستقيم بصائر


نصبن على وادي العمى كالقناطر


لقد دفعت المقارنة بين الأشعار العربية، المقطوع بنسبتها إلى الخيام، مع الرباعيات، المشكوك في نسبة أغلبها إليه، أحد الباحثين إلى القول إن «الدارس لشعره العربي يجده أليق بسمعة الخيام الفيلسوف وشهرته كرياضي. وأحسب أن الخيام في شعره العربي يبدو مسلما شديد الاعتزاز بإسلامه. وأسلوبه في كتاباته العربية عموما يطبعه اللسان العربي، ويظهر به كمفكر إسلامي ملتزم» (5).


ومن ذوي اللسانين شعراء كانوا ينظمون الشعر بإحدى اللغتين ثم يترجمونه إلى اللغة الأخرى، ومنهم الآغاجي (ق4هـ) والجاجرمي (690هـ).


ومن المؤسف أن نرى أغلب الأشعار العربية التي كتبها ذوو اللسانين يعاني الإهمال والتجاهل من الفرس والعرب على السواء، ولا يجد من يجتهد في جمعه وضبطه وتحقيقه ودراسته، وذلك على الرغم من أن هذه الأشعار تمثل إضافة نوعية مهمة لديوان الشعر العربي؛ لأنها تتميز بما تحتوي عليه من «المتع العقلية والطرف الفنية، التي ربما كانت في بعض النواحي غير مألوفة لدى العقول العربية الخالصة» (8).


العلماء


أما العلماء من ذوي اللسانين فهم أولئك الذين صنفوا الكتب الأدبية والعلمية باللغتين العربية والفارسية. وتضم هذه المجموعة عددا كبيرا لا يمكن حصره من الأدباء والعلماء الذين كتبوا باللغتين في شتى العلوم الدينية والدنيوية، مثل: ابن سينا (428هـ)، وأبي الريحان البيروني (440هـ)، والغزالي (505هـ)، وعين القضاة الهمذاني (525هـ)، ورشيد الدين الوطواط (573هـ)، والسهروردي (587هـ)، وفخر الدين الرازي (606هـ)، والزمخشري (538هـ)، ونصير الدين الطوسي (672هـ)، والبيضاوي (685هـ)، ورشيد الدين فضل الله (ق8هـ).


وقد أشار ابن خلدون إلى كثرة العلماء العجم الذين أثروا الحضارة الإسلامية بمؤلفاتهم في قوله: «إن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم العجم» (9).


ومن هؤلاء العلماء من كان يؤلف الكتاب الواحد على نسختين، إحداهما باللغة العربية والأخرى باللغة الفارسية، ومنهم أبوالريحان البيروني صاحب كتاب «التفهيم لأوائل صناعة التنجيم» الذي ألفه سنة 420هـ باللغة العربية ثم أعاد كتابته باللغة الفارسية، وهو من أوائل الكتب وأهمها في علم الحساب والهندسة والهيئة والنجوم (10).


وسار رشيد الدين فضل الله على درب البيروني في تأليف كتاب «جامع التواريخ». وكذلك فعل شمس الدين بن قيس الرازي في كتابه «المعجم في معايير أشعار العجم» (11).


كما لخص الإمام الغزالي كتاب إحياء علوم الدين في كتاب باللغة الفارسية أسماه: «كيمياء السعادة».


والحقيقة أن اللغة العربية حظيت بالقدر الأكبر من اهتمام هؤلاء العلماء، فجاء أكثر مؤلفاتهم وأهمها وأشهرها وأكثرها قيمة بهذه اللغة، فقد كانت لغة العلم في العالم الإسلامي كله، حتى إن البعض منهم كان يهتم بذكر الدافع إلى تأليفه بالفارسية، وكأنه يرفع عن نفسه الحرج لإقدامه على ترك العربية ويقطع الطريق على منتقديه، وكان البعض الآخر يعتذر صراحة في مقدمة كتبه الفارسية عن تأليفه الكتاب بهذه اللغة (12).


وفي النهاية، سيظل ديواننا العربي ناقصا، وسيحرم القارئ العربي من الاستمتاع بأشعار تتميز بنكهتها الخاصة ما لم نهب لإنقاذ تراثنا الشعري المتمثل في ما تبقى من أشعار نظمها أناس عشقوا العربية، وأبدعوا بها في بيئاتهم الأعجمية.


وسيظل جزء من تاريخنا العلمي، المتمثل في المؤلفات الفارسية للأدباء والعلماء ذوي اللسانين، الذين لا نعرف لهم في عالمنا العربي غير مؤلفاتهم العربية، مجهولا بالنسبة إلينا، وهو ما يدفعنا إلى المناداة بالاهتمام بترجمة هذه المؤلفات إلى لغتنا ودراستها.


الهوامش


(1) أبومنصور عبدالملك الثعالبي، فقه اللغة وسر العربية، ط2، المكتبة العصرية، بيروت، 2000م، ص29.


(2) قاسم تويسركاني، تنى چند از سخنوران ذولسانين، مجلة الدراسات الأدبية، العدد 1، السنة الرابعة، 1962م، ص67.


(3) محمد عوفي، لباب الألباب، ج1، مطبعة بريل، ليدن، 1906م، ص64.


(4) محمد بن محمود الشهرزوري، نزهة الأرواح وروضة الأفراح، مركز التراث القومي والمخطوطات، الإسكندرية، 1993م، ص536.


(5) عبدالمنعم الحفني، عمر الخيام والرباعيات، القاهرة، دار الرشيد، 1992م، ص176.


(6) علي بن الحسن الباخرزي، دمية القصر وعصرة أهل العصر، ج2، بيروت، دار الجيل، 1993م، ص1325.


(7) محمد عوفي، لباب الألباب، ج2، ص17.


(8) إبراهيم أمين الشواربي، العربية في إيران، حوليات كلية الآداب، جامعة عين شمس، المجلد الأول، مايو 1951م، ص48.


(9) عبدالرحمن ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، ج2، دمشق، دار يعرب، 2002م، ص361.


(10) ذبيح الله صفا، تاريخ أدبيات در ايران، ج1، تهران، انتشارات فردوس، 1369هـ.ش، ص629.


(11) الشواربي، العربية في إيران، ص46.


(12) قاسم تويسركاني، تنى چند از سخنوران ذولسانين، ص65.