Skip Ribbon Commands
Skip to main content
 
 
 

​لغة وأدب/

القول المأثور في إحياء الصوا​ب المهجور (34) 


عبداللّه أيت الأعشير


مفتش منسق جهوي لمادة اللغة العربية - المغرب




تعد اللغة من الثغور الأساسية التي تسعى الأمم القوية إلى التسلل من خلالها خلسة للتأثير على الأمم المغلوبة، لذا فمن حرس هذا الثغر أمن المكائد كلها، ومن أهمله كانت عاقبة أمره مع توالي الأجدان خسرا؛ ذلك أن ألفاظ اللغة اليوم تشبه حركات الناس، فهي تتنقل وتسافر من البلدان المتقدمة الغالبة إلى بلدان الجنوب المتأخرة المغلوبة، وفي أثناء هجرتها، التي تكون من ورائها غايات خفية، تدخل في اقتتال وتزاحم وتصارع خفي، إلى أن تجعل الآذان تختلسها من غير إذن، والألسن تلهج بها راضية مرضية؛ لأن نار جدتها وسهولتها قد أضاءت واشتعلت مثل النهار إذا متع وارتفع، وعندما تتحقق من أن الحاجة إليها أصبحت من ضرورات الحياة؛ تشرع في مزاحمة كلمات اللغة المغلوبة شيئا فشيئا حتى تزويها في حدود جد ضيقة، تقتصر على العادات والتقاليد والعبادات، لتتولى اللغة الأجنبية العربدة في مجالات العلم والمعرفة والاقتصاد والتقنية. هذا هو واقع الصراع اللغوي بين الأمم الناهضة بلغتها، والأمم التي تقتعد الذيل في النهوض بشؤونها، فماذا أعددنا نحن - العرب - في هذا الشأن؟ وهل مكنتنا حصافتنا من جعل تجارب أسلافنا مرايا لنا نهتدي بها لاستيعاب محورية التعريب في النهوض ببلداننا العربية؟ ذلك أن الدواوين في العراق، إلى عهد الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان، كان يقوم عليها كتاب الفرس، وكانوا يكتبونها بالفارسية، وعندما ولي الحجاج العراق قال الكاتب صالح بن عبدالرحمن، الذي كان من سبي سجستان، لكاتب ديوان الحساب زاذان فروخ: «إن الأمير سيقدمني عليك، ولا أحب ذلك! فقال: إن الأمير لا يجد من يقوم بحساب ديوانه غيري! فقال صالح: إن أمرني بنقل الديوان إلى العربية فعلت! فقال له: فانقل بين يدي شيئا منه! ففعل. فقال زاذان فروخ لكتاب الفرس: التمسوا مكسبا فقد ذهب مكسبكم. ثم نقل صالح الدواوين إلى العربية» (1). وبذلك بدأت حركة التعريب، وبدأ العرب يتحررون من الهيمنة الفارسية على الإدارة. أما طرق التعريب المعتمدة لحظتئذ، فيمكن إجمالها في ما يأتي:


1- إبدال أحرف الكلمة بعضها من بعض، مثل لفظة «كورب» الفارسية التي عربت هكذا: «جورب»، ولفظة «كومل» التي أصبحت: «جمل»، ولفظة «لشكر» التي عربت هكذا: «عسكر»، و«شراويل» التي عربت بتغيير حرف الشين هكذا: «سراويل».


2- نقصان حرف أو أكثر من الكلمة الأجنبية مثل Kêtos التي عربت بلفظة: «حوت».


3- تغيير حركة أحد الأحرف مثل: «دَستور» بفتح الدال التي عربت بضم الدال «دُستور».


4- زيادة حرف على الكلمة الأعجمية مثل: «ديبا» الفارسية التي عربت بزيادة حرف الجيم: «ديباج».


5- تغيير وزن الكلمة إلى وزن عربي مثل ألفاظ: «سندس» و«درهم» و«قسطاس» و«جهنم».


وعلى الجملة، فإن المعرب يعرف بعلامات مثل: البداية بحرفي: «نر»، مثل: نرجس. أو أن يكون بعد حرف الدال حرف الزاي، مثل:«مهندز» التي غير «زايها» بحرف السين: «مهندس»، أو خلو الكلمة الرباعية والخماسية من أحرف الذلاقة وهي: «الراء والميم والباء والنون والفاء واللام»، ومنها اجتماع «الجيم والراء» في الكلمة مثل: «آجر»، و«القاف والطاء» مثل: «قسطاس وقرطاس»، و«الصاد والجيم» مثل: «صولجان»، و«الكاف والجيم» مثل: «سكرجة»... وغيرها من الكلمات الطويلة الذيل. تلك هي السبيل اللاحبة التي سلكها الأوائل في تعريب دنيا العرب. وقد أبانت اللغة العربية عن طواعية نادرة في قبول كل ما يفد إليها من الثقافات الأخر، لم تعجز عن إدماج الكلمات الأعجمية وتطويعها حتى تنسجم مع أخواتها العروبيات؛ لا ترى فيها عوجا ولا أمتا على شاكلة الكلمات اليونانية الأصل الآتية: «أسطول، دكان، إقليم، إسفنج، زبرجد، طاوس، فانوس، قصدير، قلم، نافورة، قانون، بقدونس، بطاقة، إبليس، أخطبوط...». ولئن نجحت جهود التعريب الآنفة حتى أصبحت العربية الفصحى لغة مانحة للعلم والمعرفة يوم جدتها في عهد العباسيين، فإن وضعية التعريب اليوم أصبح يلفها غموض كثيف، وتشتت مريب، وضياع للجهود مخيف، رغم أن المجمعات اللغوية المنتشرة في أرجاء الوطن العربي تجري خيولها المبرزة في ميدان التعريب بالبيان الوافي، إلا أن جهودها لا تبرح مقراتها التي تصدر منها، ومن ثمة تصبح مسوداتها مجرد أوراق ملوثة بالحبر، وآية ذلك قائمة المعجمات الطويلة الذيل التي يصدرها مكتب تنسيق التعريب بالرباط عن كل فرع من فروع المعرفة الإنسانية والعلمية والتقنية والاقتصادية والسياحية والفلاحية والتواصلية، من دون أن يظهر في الأفق أن هناك اتجاها في هذه الدولة أو تلك لفرضها على مؤسساتها، انطلاقا من كونها ثمرة جهود النخبة المقتدرين المتخصصين في مجالات اللغة والعلم والمعرفة، وما ذلك إلا من عصا الفرقة التي ألقتها دول العولمة الماحقة بيننا لإبقائنا مغانم تطرد بواسطتها مغارمها الاقتصادية والاجتماعية. هذا هو السر في أننا لا نزال نبحث عن الإجابة الشافية الوافية لأسئلة النهضة التي سبق الحسم فيها منذ ستينيات القرن الماضي، على شاكلة سؤال: هل نعرب أو نترجم؟ الذي أشبعه الأوائل بحثا كما يثبت هذا الجواب الذي أدلى به العقاد عام 1960م، حيث يقول: «نحسب أن بداهة اللغة العربية من قديمها إلى حديثها تملي علينا جواب هذا السؤال: هل نترجم أو نعرب أو نكتفي بما عندنا فلا ترجمة ولا تعريب؟ وجواب اللغة بلسان بداهتها الأصيلة أن المعاني تترجم، وأن الأعلام وما هو من قبيلها تعرب، وأن التعريب ضرورة ملازمة، قد لازمت اللغة العربية منذ نشأتها، ولا خوف عليها منه في حدوده الصالحة، لأن البنية الحية هي التي تستطيع أن تلحق بتركيبها المتين كل غذاء مفيد» (2). لأن التعريب المفيد الشامل هو السراج الذي يطفئ عن بلداننا العربية ظلمة التأخر عن التحكم في العلم والمعرفة باللغة العربية لأجل تحقيق التنمية المرتجاة، ويمنح للثقافة العربية فرصة الذيوع والانتشار، من خلال انتشار بضائعها ومنتجاتها ومخترعاتها باللغة العربية، وعندئذ لا يمكن أن نقبل أن نستعمل لسانا غير لساننا العربي المبين، ولا أن تنوب عنا لغة أخرى في الإعلان والإشهار لبضاعة من منتجاتنا العربية. بمثل هذه الثورة الثقافية الشاملة يمكن أن يحدث التعريب ثورة في طرائق تفكيرنا، فيغدو المشروع العروبي مشروعا مجتمعيا يطيح بسياسة التوازنات اللغوية السائدة في بلدان المغرب العربي لأجل المحافظة على سراب السلم الاجتماعي بين العرب والأمازيغ، ومن ثمة إظهار النية الصادقة لتقوية أدوار العربية الفصحى في اصطناع المعارف العلمية الحقة، انطلاقا من اتباع خطة منهجية علمية في الصناعة الاصطلاحية «تقوم على مبادئ علمية موحدة، وترتكز على أسس موضوعية مشتركة؛ الدافع إليها الرغبة في التقليل من التباينات الملحوظة في الاصطلاحات بين البلدان العربية؛ ولاسيما بين البلدان التي تستعمل الفرنسية، والأخرى التي تستعمل الإنجليزية» (3) لغة ثانية في أثناء اتصالها وتواصلها مع أبنائها في الداخل، ومع غيرها في الخارج. ولا سبيل إلى إدراك هذه البغية إلا باعتماد قرارات سياسية ملزمة تستنفر أصحاب التخصص لاقتحام دنيا المعرفة؛ لأجل الكشف والتشخيص والتصحيح برؤية علمية ثاقبة تمزج الأقوال بالأفعال، وتطرد عن ساحتنا العربية الاستعانة بالاصطلاحات الأجنبية التي نكتفي بإلباسها الأصوات العربية، سواء صادف ذلك مصلحة أو لم يصادفها؛ على شاكلة هذه الاصطلاحات التي عربناها بالمحافظة على أصواتها الأجنبية، اعتقادا منا أن مقابلها العربي معدوم، مثل:


- البيداغوجيا، والتي يعد اصطلاح: «اللقانة» أحسن منه أثاثا ورئيا.


- الأرشيف، مع العلم أن اصطلاح: «الربيدة» ألطف مرآة. - السيكولوجي، الذي يبدو اصطلاح: «النفسي» أتم منه وأحكم وأسهل في النطق.


- الديكور، بدل إشاعتنا للفظة القرآنية المشعة: «الزخرف».


- الروبرتاج، بدل اكتفائنا باللفظة العربية الأنيقة: «التحقيق» أو «الاستطلاع».


تأسيسا على ما سبق، يتضح بجلاء أن التعريب المأمول في الوطن العربي يجب ألا يترك فقط لجهود الآحاد، مهما بلغوا في العلم بأسرار العربية قرن الكلأ، ولكن يجب أن يتولى أمره هيئات علمية مكونة من مختلف التخصصات، ومخول لها، بقوة القانون، إصدار نشرات دورية إلى كافة البلدان العربية، تلزمها باستعمال تلك الاصطلاحات في المجالات التي تقتضيها، بدل ترك الألفاظ الأجنبية تعيث فسادا في لغتنا وفي طرائق تفكيرنا، التي لا يمكن لها أن تستقيم من دون التعلم باللغة العربية الفصحى، ولاسيما أن عربيتنا تبدي طواعية غير محدودة في اشتقاق اصطلاحات جديدة عربية المحتد؛ اعتمادا على نقل الدلالة من المجال الأصلي الذي استعملت فيه الكلمة، إلى مجال آخر كما هو الشأن بالنسبة إلى الاصطلاح الآتي: «المذمرة» بدل Echographie الذي نقلته من لفظة «التذمير»، التي تعني العملية التي يقوم بها «المذمر» لمعرفة جنس الجنين في رحم الناقة.


الهوامش


(1) البيان والتبيين. أبوعثمان عمرو بن بحر بن محبوب الجاحظ. تحقيق وشرح: حسن السندوبي. الجزء 3. هامش الصفحة 34. ط4. 1375هـ/1956م. دار الفكر. لبنان.


(2) نعرب أو نترجم؟. عباس محمود العقاد. مجلة القافلة. عدد 1960م. وقد أعادت المجلة نفسها نشر هذا المقال في العدد الثالث. المجلد 63. ص 73. مايو/يونيو 2014م. السعودية.


(3) اللغة وبناء الذات. عبدالله أيت الأعشير وعبدالرحمن بودراع وأحمد شوقي الخطيب. كتاب الأمة عدد 101. ص 168. جمادى الأولى1425هـ / يونيو- يوليوز2004م. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. قطر.