Skip Ribbon Commands
Skip to main content
 
 
 

​لغة وأدب/

إبراهيم عبدالقادر المازني


د. محمود خلف

باحث أكاديمي


من أعلام الشعر والفكر والأدب المعاصر، أديب مجدد، من كبار الكتاب. امتاز بأسلوب حلو الديباجة، تمضي فيه النكتة ضاحكة من نفسها، وتقسو فيه الجملة صاخبة عاتية.

63.jpg


في بيت عتيق على حدود الصحراء في القاهرة،ـ ولد إبراهيم عبد القادر المازني سنة 1308هـ - «1889م» في «كوم مازن» من المنوفية بمصر، نشأ في بيئة دينية متواضعة، إذ كان أبوه محاميا شرعيا، ولم يكن على شيء من الثراء. ولم يتمتع إبراهيم طويلا برعاية أبيه، فقد توفي وهو في سنيه الأولى، ولم تقعد بأمه فاقتها، فقد رعته وألحقته بالمدرسة الابتدائية، حتى إذا أتمها التحق بالمدرسة الثانوية، وعينها من ورائه.


وطمح بعد إكمال دراسته الثانوية إلى الالتحاق بمدرسة الطب، لكنه لم يكد يدخل غرفة التشريح، حتى أصابه غثيان شديد، فانصرف عن الطب، وفكر في الالتحاق بمدرسة الحقوق، إلا أن ضيق ذات يده رده عنها إلى مدرسة المعلمين. وفي هذه المدرسة أخذت ملكته الأدبية في الظهور، فعكف على قراءة الأدب القديم يقرأ في كتابات الجاحظ، وفي كتاب الأغاني وفي الكامل للمبرد والأمالي لأبي علي القالي وغير ذلك من عيون النثر العربي القديم، كما أخذ يقرأ في الشريف الرضي ومهيار وابن الرومي والمتنبي، وأضرابهم من الشعراء البارعين.


بدأت كتاباته منذ اشتعال الثورة المصرية 1338هـ - «1919م». وشارك الثائرين في كتابة المنشورات التي تؤجج أوارها، حتى هددته السلطات بالنفي والتشريد، ومع ذلك ظل مشتغلا بالسياسة والصحافة حتى آخر لحظات حياته.


وكان الكتاب يتخيرون لتعابيرهم ما يسمونه «أشرف الألفاظ»، فيسمون به عن مستوى فهم الأكثرين، فخالفهم إلى تخير الفصيح مما لاكته ألسنة العامة، فأتى بالبين المشرق من السهل الممتنع. وعمل في جريدة «الأخبار» مع أمين الرافعي، و«البلاغ» مع عبدالقادر حمزة، وكتب في صحف يومية أخرى، وأصدر مجلة «الأسبوع» مدة قصيرة، وملأ المجلات الشهرية والأسبوعية المصرية بفيض من مقالاته لا يغيض.


وعاش عيشة «الفيلسوف» مرحا، زاهدا بالمظاهر. وكان من أرق الناس عشرة، ومن أسلسهم في صداقته قيادا، يبدو متواضعا متضائلا - وفي جسمه شيء من هذا - وفي قرارة نفسه أشد الاعتزاز بها والعرفان لقدرها. يمزح ولا يمس كرامة جليسه، مخافة أن تمس كرامته.


ويتناول نقائص المجتمع بالنقد، فإذا أورد مثلا جعل نفسه ذلك المثل، فاستسيغ منه ما يستنكر من غيره. وله كتب، منها: «حصاد الهشيم» مقالات، و«إبراهيم الكاتب» جزآن، قصة، و«قبض الريح» و«صندوق الدنيا» و«ديوان شعر» جزآن صغيران، و«رحلة الحجاز» و«بشار بن برد» و«ميدو وشركاه» قصة، و«ثلاثة رجال وامرأة» و«غريزة المرأة» و«ع الماشي» و«شعر حافظ» في نقده، و«الشعر، غاياته ووسائطه» رسالة، وترجم عن الإنجليزية «مختارات من القصص الإنجليزي» و«الكتاب الأبيض الإنجليزي».


وشعره في جزأين ليس فيه سياسة ولا وطنية ولا دعوات اجتماعية؛ وإنما هو تجربة نفسية تامة، وهي تجربة تفيض بالألم والكآبة إزاء الطبيعة والتفكير في النفس والحياة الإنسانية ومتاعس البشرية، ويأخذ ذلك شكل انفجارات وجدانية. وربما كان مرجع ذلك عنده إلى أنه كان صاحب نفس حساسة وشعور مرهف إلى أبعد ما يكون الإرهاف الدقيق. ولم يكن شيء في حياته مفرحا، فقد ذاق ألم اليتم صغيرا، وكان قصيرا تقتحمه العين، وأحس ذلك في نفسه، فضاق بحياته وتبرم بها غاية التبرم، وزاد تبرمه حدة أن أصيب ساقه في حادثة سببت فيه عرجا، لازمه إلى مماته.


وهو لا يبارى في مقالاته التي يصف فيها مشاعره وخوالجه؛ إذ كان مرهف الإحساس، وكان إذا تعمق التأثر نفسه فاضت عليه خواطره، وكأنها تفيض من نبع لا ينضب. ومن خير ما دبجته براعته من ذلك ما جاء بكتابه «في الطريق» من حديثه عن ابنته الصغيرة التي اختطفها القدر من بين يديه، وهي في غرارة الطفولة، فقد صور ذكرياته معها وما كانت تأتيه من لعب وعبث تصويرا باكيا رائعا.


< أسلوب المازني


تكشف آثار المازني عن أسلوب مشرق فكه ساحر وساخر، محبب إلى النفس، نابع من ثقافة عريضة، وموهبة قادرة على إذابة العامية في الفصحى، وينفرد بسخرية ناعمة، تجلوها روح الفكاهة المصرية العذبة الخالصة، وأهم ما يميز أسلوبه ما يلي:


1- البساطة في التعبير، واستخدام المألوف من الألفاظ، والمشهور من العبارات، وإظهار الألفاظ الدارجة في ثوب فصيح.


2- العناية بالأمثال الشعبية، ورسم صورة للبيئة المصرية عامة, والقاهرية بصورة خاصة، وإيثار الدعابة الساخرة التي تمثل روحه.


3- جمله قصيرة متلاحقة، وعباراته سلسة شائقة.


4- إيثار الألفاظ الغريبة في معارض السخرية، أو إظهار المفارقة، أو الإضحاك، فنراه يخاطب المتعالي قائلا: «أيها الفطحل»، ويتحدث عن المتحذلق فيقول: إنه من «الجهابذة»، وعند امتلاء البطن يقول: «إنه شعر الكظة».


5- تشبيهاته جديدة دقيقة وطريفة، فتراه يقول: «أقدم من هرم خوفو»، و«معدتي طاعنة في السن كمخلاة قديمة»، و«الزواج يشبه لبس الحذاء»، و«الأعزب كالذي اعتاد الحفا»، و«كانت لا تريد أن تتزوج، وصدقت فما تزوجت لأنها ماتت» و«كان شديد السكر حتى إنه كان يمشي متزنا»، وغيرها كثيرة وعديدة.


6- المحافظة على الإطار اللغوي في قواعده وتراكيبه ومفرداته.


وبذا وغيره كان المازني في فكاهاته وسخرياته فنانا رائدا مبدعا، عميق الغور، واسع الأفق، انطبعت مختلف مظاهر الحياة المصرية في نفسه، فعبر عن صورها في قوة ووضوح.


< الصورة الأدبية عند المازني


وأما إبراهيم عبدالقادر المازني: فيرى أن الصورة الأدبية غير فن التصوير والرسم، فهي غنية بالحركة والحيوية، وتعاقب الزمن وقتا بعد وقت، حتى يأتي الشاعر على الحركة المقصودة من الصورة، بينما فن الرسم جامد ليس له إلا لحظة واحدة من الزمن، وهي تلك اللقطة التي يختارها الرسام من الزمن، ليودعها فنه وريشته، كما أن الصورة الأدبية تنفرد أيضا بخاصة لا توجد في فن التصوير، وهي أن الشاعر ينقل للقارئ المنظر المراد تصويره، من خلال مشاعره، وخواطره، ويلونها من داخل نفسه، فتؤدي عند القارئ إلى إثارة مثل هذه الأحاسيس والمعاني والآمال والخوالج.


والمازني يرى أن الصورة ليست هي مجرد الشكل الذي يقابل المضمون، ولكنها تصدر عن الوسائل الفنية للشكل، وهو ما يفيده النظم عند الإمام عبدالقاهر، إلا أنه تناولها في عمق وجدة تبدو في أمور:


أ- وضح مفهوم الصورة على وجه التقريب، وتكون في تناول المنظر المراد تصويره من خلال خواطر الشاعر وأحاسيسه وتلوينها بذات نفسه وعاطفته.


ب- أن الصورة ليست خطبة بنص الشاعر فيها على المراد، وما يقصده صراحة، ولكن على الشاعر بموهبته الفنية أن يدع الصور تتحدث بذلك، وتكشف عن الأثر الكامن فيها لا الشاعر.


ج- أن الصورة الأدبية لها لحظات في الزمن تتعاقب وتحدث ما فيها من حركة حيوية، وهما لب الصورة وعصبها، وهذا هو الفارق المميز بينها وبين الرسم.


د- أن المازني جعل الخيال هو الأساس في الصورة، وبه يتفوق صاحبه على غيره، ويقسم الخيال قسمين: أحدهما الخيال الحسي، وهو ما يستمد فيه الشاعر البواعث على الابتكار من ظواهر الطبيعة، وهو في نفس الوقت تصوير الشيء على حقيقته، كما يقع تحت الحس في الواقع، من غير إعمال ولا تحوير، وهذا ضرب نادر في الصورة؛ لأن وجود الخيال فيها لابد أن يأخذ مجراه، ويعمق أجزاءها. ثانيهما: تخييلي, وهو ما يستمد الشاعر فيه البواعث على الابتكار من نفسه وخواطره وعواطفه؛ لأن الأصل في الشعر سعة النظر، وعمق المعاني، فقد يتناول الشاعر منظرا محدودا في نظر الرائي، ولكنه يراه بالمعنى الأوسع والأعمق مما يراه الآخر.


وتقديرا له ولمكانته الأدبية وما بذل من جهود قيمة في أدبنا المعاصر اختير عضوا بمجمع اللغة العربية.


مكبا على التحرير في الصحف وإخراج القصص والأعمال الأدبية المختلفة حتى انطفأت شعلة حياته في سنة 1368هـ - «1949م».