Skip Ribbon Commands
Skip to main content
 
 
 


أسرة/

​السحر الحلال


إيمان القدوسي

باحثة تربوية


وضعك وجاذبيتك عند زوجك مدى الحياة يتطلبان سحرا من نوع خاص، إلا أنه حلال، بل هو عين الحلال.


لو أردنا تلخيص الأمر في كلمة واحدة يمكننا القول امنحيه حبك الخالص فقط.


ربما هذه هي مهمتك الأبرز، ووظيفتك الأساسية كزوجة منح الحب ونثر السعادة.


حددت الآية الكريمة هذا الدور في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} (الروم:21). يمتن الله على عبده بتلك الزوجة المحبة الودود التي تمنحه مودتها ويسكن إليها قلبه ويتبادلان التراحم والمساندة، فليست هناك نعمة في حياة الرجل أعظم من الزوجة الصالحة.


المودة التي ذكرت في الآية هي أعلى درجات الحب، فهي أكثر خصوصية، وأثبت جذورا، وأعمق تلازما للقلب.


لكن كثيرا من الزوجات تشكو من أنهن أحببن وأعطين وتفانين ولم يجدن ما يأملن من صدى لمشاعرهن، وهناك من تزداد آلامهن حين يعلمن أن أزواجهن لا يبادلهن المشاعر فقط، بل يبحثون دائما عن غيرهن، وكلما زاد عطاؤهن زاد نفورهم فما السبب؟


يبحث الرجل في الزواج، بشكل أساسي، عن الحب والاحتواء، وتلك المشاعر التي تلفه وتريحه وتملأ حياته بهجة وهدوءا. يبحث أيضا عمن تفهمه، وتلهمه، وتعكس له صورة إيجابية عن ذاته. وتلك المشاعر أهم عنده من الجنس ومن الخدمات المنزلية التي تقدمها له الزوجة ومن الإنجاب نفسه، فهو يبحث أولا عن راحته، ثم تأتي مزايا الزواج الباقية في ترتيب تال، وذلك لأنه يتعب ويشقى في الحياة وصراعات العمل، ويريد العودة إلى بيت يجد فيه واحته الظليلة من هجير الحياة.


فإذا عاد ليجد زوجته تمتلئ نفسها منه استياء وغضبا، ويعكس وجهها عدم الرضا، ثم سارعت بانتقاده وتقييمه في كل كلمة أو تصرف، ثم أشعرته أنه أقل شأنا من غيره من الرجال، لأنه لا يلبي طموحاتها، ثم لجأت إلى معاملته بأسلوب الوعظ والإرشاد وكأنه طفل لا يحسن أمرا، ثم أرادت أن تخفف وقع ذلك في النهاية فارتدت ثوبا جديدا وتجملت بشكل فج وابتسمت لتمثل عليه دور الزوجة الكاملة وسألته كيف تراني؟ وما رأيك في الطعام الذي أعددته؟ فلا عجب لو انتهز الفرصة ورد لها كل إهاناتها السابقة، فتتعجب، وربما بكت وهي تتساءل: بعد كل ما أفعله؟


ما فعلتيه يا سيدتي، هو أنك أخفقت في توصيل رسائل الحب له، وبدلا منها وصلته رسائل سلبية تقول: «لا أحبك كما أنت؛ ولذلك أريد تعديلك وتحسينك. كما أنني تورطت في زواجي منك؛ ولذلك أحاول، عبر الانتقاد والوعظ، أن أغيرك. ما تقدمه لي لا يرضيني، ولكنني أحاول تمثيل دور الزوجة المحبة وأنت لا يعجبك؛ فأعاقبك بالنكد والحزن والبكاء، وبدلا من أداء وظيفتي في منح المحبة ونثر السعادة فإنني أتفنن في جلب التعاسة».


ما فعلتيه أنك لم تستطيعي الوصول إلى حب الرجل، وحب الرجل جوهرة ثمينة تكمن داخل صدفة قلبه، فإذا عرفت كيف تفتحين قلبه وتصلين إلى الجوهرة فستملكينها وتستمتعين بأحلى المشاعر التي ترفعك محلقة فوق السحاب، وسوف تجربين بنفسك معاني الحب الحقيقي التي تغنى بها الشعراء وتفنن في وصفها المحبون.


كيف يحدث سحر الحب؟ وهل يهبط على ذوي الحظ الحسن أم إنه عمل وأسلوب؟


في الحقيقة، هو عمل وأسلوب، ويمكن اختصاره بالحب الصادق، فالحب الصادق هو نفسه الحب الساحر.


أما التفاصيل فكثيرة.. الحب الصادق لا يرى العيوب، لكل إنسان عيوبه ونقائصه، ولكن الحب ينظر بعين الرضا، وعين الرضا عن كل عيب كليلة لا تراها، أو على الأقل تقبل وجودها ضمن الباقة كلها، فأنت تختار شخصا غير قابل للتجزئة، لن تأخذ منه ما يروقك فقط. والحب الصادق لا يسعى إلى تغيير صفات المحبوب قسرا وقصدا، لأن ما نسعى إلى تغييره معناه أننا نرفضه، ولكننا حين نتقبل الشخص بكل ما فيه فإن حبه لنا وتقديره سيستخرجان منه أفضل ما فيه، وسيتغير حتما للأفضل، ولكنه سيتغير بطريقته هو وبإرادته وليس عن طريق تدخلنا وتسلطنا عليه.


الحب الصادق الباطن فيه أقوى من الظاهر. لا حب مع امتلاء النفس بالاستياء والغضب، فأنت تشعين ما في نفسك؛ ولذلك تخلصي فورا من تلك المشاعر السلبية، واملئي نفسك بخيال الحب وأحلامه، ثم ارسلي طاقة الحب وعبيره الفواح الذي يفصح عن نفسه بشكل لا يخفى على أحد.


ودائما، عزيزتي الزوجة، تخلصي من تراكم المشاعر السلبية بداخلك، واملئي قلبك حبا ليشع هالة نور من حولك.


الحب الصادق لا يعبر عنه بالكلمات فقط، بل بجميع الحواس: اللمس والشم والنظر والذوق والحاسة السادسة أيضا، ولغة الجسد، وبريق العيون، وبسمة الشفاه الحانية النابعة من القلب، والخجل الفطري الذي يأبى انتهاك حلاوة الإحساس بكثرة الكلام وصراحته وفجاجته.


حين أسمع من تقول أجلس مع زوجي وأقول حدد ماذا تريد مني ونتناقش.. هذا تفاوض شركاء في عمل أو تجارة وليس مناجاة عاشقين تكفيهما نظرة أو كلمة واحدة. ولست مع كثرة ترديد الكلام العاطفي ما لم يكن نابعا من القلب، فالكلام دوره في سحر الحب مثل رشة الفلفل على الطبخة المتقنة.


الحب الصادق معناه صورة حلوة تعكسها عيناك لزوجك، وفي الوقت نفسه ليست مزيفة، ولكنها أجمل لقطة من أفضل زاوية مع ضبط الظل والنور سوف يتعلق زوجك بانعكاس صورته الجميلة في عينيك، فيستغني بك عن كل النساء، ويراك هو أيضا أكثرهن جمالا وسحرا. الحب الصادق فيه دعم ومساندة وتشجيع، ورضا بالعطاء، وتحفيز للوصول إلى مراتب أعلى في كل المجالات. الحب الصادق هو حب الثقة، وليس حب الرعاية، حب الرعاية نمنحه لأطفالنا القصر، فنقدم الخدمات ونربي ونوجه ونعلم ونحذر و.. و.. و.. أما مع الزوج فحب الثقة فقط، الثقة في رجولته وضميره وكفاءته وقدراته والتعزيز الدائم لثقته هو بنفسه، وليس فيه تشكك، أو ترصد، أو تصيد للخطأ، أو تجسس. الحب الصادق فيه استقلالية وليس تبعية، فعلى الرغم من اعترافك بقوامة زوجك فإن ذلك لا يعني أنك مجرد تابع عديم الشخصية، بل معناه ترتيب الأدوار، فأنت تؤدين أعمالك وتطورين نفسك وتضيفين إلى حياته الكثير وتتحملين معه المسؤولية.


الحب الصادق انفتاح روحين، يرى كل منهما الجمال الداخلي في الآخر، والبصمة المميزة التي خصه الله بها وحده، وبالتالي يكتفي به ويرتبط ولا مجال لمقارنته بغيره.


الحب الصادق كائن حي ينمو ويتطور ويتغير بمرور الوقت ليتناسب مع كل مرحلة عمرية وحياتية، فيتجذر وجوده، ويشتد عوده بمرور الزمن، ويمتد ظله على من حوله من أبناء وأحباب.


الحب الصادق هو السحر الحلال الذي لا يملك الرجل الفكاك من أسره، ويستمتع بوجوده في روعته وجماله.