Skip Ribbon Commands
Skip to main content
 
 
 

​أسرة/

تأمــلات في كلمــة «الأرحام»


عبدالباقي يوســف

باحث سوري

74.jpg


نقف بشيء من التحليل مع كلمة «الأرحام» الواردة في قوله تعالى: "هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ " (آل عمران:6) يفصلكم، ويشكل تكوينكم "فِي الْأَرْحَامِ " التي هي موضع تصويري لكم، رحم المرأة، من هذا الموضع تبدأ رحلة رحمة الأم بوليدها، إنها تربيه في رحمها، وهو يدغدغ رحمها، وكلما تنظر إليه نظرة، تذكر بأنه نبت في رحمها، وهذا يزيدها رحمة وشفقة به، مهما بلغ من الخشونة فيما بعد، ولذلك فإنها تكون أكثر رحمة به من أبيه.


والرحم، من مشتقات الرحمة، والله رحمن رحيم، يقول في الحديث القدسي: «أنا الرحمن، خلقت الرحم، وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته» (1).


إن تكوين الإنسان في الرحم، يجعله مائلا إلى التراحم، وكذلك إلى صلة الرحم، وصلة الرحم تعني أن تتواصل مع من جمع بينكم الرحم الواحد، والذي تتفرع منه فروع، وهذا ما نعبر عنه بـ «الأقارب»، فيحضك الإسلام على أن تكون على صلة بأقربائك.


يقول النبي  " صلى الله عليه وسلم" : «إن الله تعالى يخلق عظام الجنين وغضاريفه من مني الرجل، وشحمه ولحمه من مني المرأة‏». ومما ورد من حديث ثوبان في صحيح مسلم:‏ «أن اليهودي قال للنبي  " صلى الله عليه وسلم" ‏:‏ وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض، إلا نبي أو رجل أو رجلان‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏ينفعك إن حدثتك‏)‏‏؟‏‏.‏ قال‏:‏ أسمع بأذني، قال‏:‏ جئتك أسألك عن الولد‏.‏ فقال النبي  " صلى الله عليه وسلم" ‏:‏ ‏(‏ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا، فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله تعالى، وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله‏».


وثمة أحاديث عديدة تبين كيفية تأسيس الإنسان في الرحم، وكذلك تبين المسار الذي سوف ينتهجه هذا الجنين في حياته، مما يبين علم الله بالغيب.


يقول النبي  " صلى الله عليه وسلم" : «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك»، أو قال: «يبعث إليه الملك بأربع كلمات، فيكتب رزقه، وعمله، وأجله، وشقي أو سعيد»، قال: «وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينها وبينه غير ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه غير ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» (2).


 تبين هذه الأحاديث بأن تكوين الإنسان الأولي يكون في رحم المرأة، والإنسان يأخذ من أمه أكثر مما يأخذ من أبيه، وتبذل أمه جهدا به أكثر مما يبذل أبوه، ولذلك لايكون للرجل أن يحرم الأبناء من أمهم، أو يحرم الأم من أبنائها، وهو يقرر الانفصال عنها، أو طلاقها، وهذه المسألة عليها أن توقفه كثيرا قبل أن يتخذ قرارا مصيريا كهذا، وألا يرجح كف أنانيته، أو مصلحته الشخصية، أو راحة باله على أساس هذا الحرمان الذي هو ظلم كبير بالأولاد، وبالأم أيضا، إلا في حالات استثنائية، وهي أن الأم يمكن لها أن تفسد الأبناء، وهذا ما لا يحدث إلا في حالات شديدة الاستثنائية، لكن على الأغلب فإن الأب يقرر هذا الحرمان، كي يحقق لنفسه راحة من المرأة التي اكتشف بأنه غير سعيد معها، بعد أن أنجب منها، أو أنه يريد أن يتزوج بأخرى، ولذلك ترى بأن الطلاق هو ليس بغيضا فحسب عند الله، بل هو أبغض حلاله عنده، وكذلك فهو أبغض حلال الله عند الناس، بسبب ما تترتب على هذا الطلاق من سلبيات بحق الأبناء.


فإذا نظرنا إلى عملية ضرب الأبناء، نرى بأن الابن لا يشعر بأن أمه ضربته وهي تضربه بالفعل، لأن التي تضربه، إنما هي التي نبت في رحمها، وهي تضربه برحمة ما نبت في رحمها، بيد أن الابن يشعر بأنه ضرب بالفعل عندما يضربه أبوه.


من هنا، فإن الانتكاسات الأولية تتشكل في بنية الطفل على قدر ما يتلقى الضرب، أو الإهانة، أو التوبيخ، من أبيه، وليس من أمه، وهو من شأنه أن ينمي لدى الطفل شعور النقص، أو عقدة الدونية.


وإذا كان ضرب الأب للابن يأتي بنتائج سلبية في مراحل تربيته، فإن ضربه للابنة يكون أكثر سلبية، ذلك أنها تمتلك رحما خرج من رحم، وهذا ما يجعلها أكثر رقة وشفافية من أخيها، لأنها تعد لتكون أما، في حين يعد أخوها ليكون أبا، وهي عندما تكبر تبقى محافظة على مساحة الرحمة في قلبها، كي ترحم به جنينها، وهو في رحمها، ثم كي ترحمه به وهو يكبر يوما بيوم على صدرها، في حين أن الابن الذي يغدو رجلا يملك أن ينزع الرحمة من قلبه، وأن يقسو، بل حتى يمارس القتل بأقسى ألوانه، لكن المرأة وهي تشاجر امرأة، قد يبلغ بها الأمر أن تشد شعرها، أو تعضها، وينتهي الأمر عند هذا الحد، لأن ذلك جل ما يسمح به رحم المرأة لها، لكن الرجل عندما ينقض على رجل، قد يفتك به، ويبلغ به مرحلة القتل، لهذا نرى بأن أول جريمة في التاريخ الإنساني لم ترتكبها المرأة، بل ارتكبها الرجل بحق الرجل، وإذا صدف وأخطأت الابنة خطأ فادحا، فإنها تخبر أمها، أو أختها، أو حتى خالتها، أو عمتها، وهي تأمن رحمها، ولا تخبر الأب، أو الأخ، أو أي رجل في العائلة، لأنها لا تأمن رعونته، ورد فعله، وحتى في جرائم الشرف، فإن الرجل يقوم بها، حتى لو كان صغيرا، وقتل أخته التي نبتت معه في ذات الرحم، ولا تقدم عليها المرأة مهما كانت كبيرة، رغم أن المرأة هي الأكثر ضررا نتيجة خطيئة الابنة، والرجل هو الأقل ضررا نتيجة ذلك، فأول ما يصيب الأذى، أمها، ثم أخواتها، ثم من هن على صلات رحم بها، حيث قد يطال الأذى مستقبلهن ويعيقهن في الزواج، لكن ذلك لا يطال مستقبل الرجل، ولا إعاقته في الزواج مهما كان مقربا منها، ولذلك فإن الجرائم الكبرى والصغرى، على الأغلب يرتكبها الرجال. وما يلحقه الرجال من أهوال وكوارث بالإنسان والطبيعة، لهو أكثر مما تفعل النساء، والرجال عادة هم الذين يقررون الحروب الكبرى، في حين أن النساء يبكين فلذة أكبادهن الذين تودي تلك الحروب بهم. ثم عقب ذلك قال الله تعالى: { كَيْفَ يَشَاءُ} معنى ذلك أن له المشيئة في خلق هذا الإنسان، سواء أجعله أبيض، أو أسود، قصيرا، أم طويلا، ذكرا، أم أنثى. ثمة حديث نبوي بهذا الصدد يقول: «إذا وقعت النطفة في الأرحام طارت في الجسد أربعين يوما، ثم تكون علقة أربعين يوما، ثم تكون مضغة أربعين يوما، فإذا بلغ أن يخلق، بعث الله ملكا يصورها. فيأتي الملك بتراب بين إصبعيه، فيخلطه في المضغة، ثم يعجنه بها، ثم يصورها كما يؤمر، فيقول: أذكر أو أنثى؟ أشقي أو سعيد، وما رزقه؟ وما عمره؟ وما أثره؟ وما مصائبه؟ فيقول الله، ويكتب الملك. فإذا مات ذلك الجسد، دفن حيث أخذ ذلك التراب».


{لا}


نفي مطلق


{إله}


رب


{ إلا}


دون


{ هو} الله الواحد الأحد الذي لا شريك له، المتفرد بأنه إله الخلق جميعا، وقد ورد في هذا المقام اسم الله الحسن.


{ العزيز}


الذي يعز من يشاء، ويذل من يشاء، وهو على كل شيء قدير، وهذا تذكير للناس بأنه قادر أن يعز من يشاء، وقادر أن يذل من يشاء، وقد قال قبل ذلك في ذات الآية: { كَيْفَ يَشَاءُ}، ثم جاء اسم الله تعالى الحسن.


{ الحكيم }


وفق حكمة إلهية خالصة في الخلق لا يعلمها إلا الله، وهي آيات لأولي الألباب ليتفكروا بها، ويأخذوا منها العبر، كونها تبين للناس بأن مشيئته جل وعلا لا تأتي عبثا، بل هي لحكمة إلهية خالصة، تسري في خلقه، وهم وفق هذه الحكمة يخرجون من ظلمة الرحم وسكونه، إلى ضوء الحياة وضوضائها، والسعي في مناكب الأرض.


يبين ذلك بأن كل مخلوق إنما هو حكمة من حكم الله تعالى، ولا شيء لا لزوم له في الحياة، فإن مات جنين في رحم أمه، فهي حكمة مقدرة من الله تحمل رسالة لأولي الألباب في زمانها ومكانها وأشخاصها، وإن عمر هذا الرجل ماشاء الله، فهي حكمة مقدرة من الله، تحمل رسالة لأولي الألباب في زمانها ومكانها وأشخاصها.


الهوامش


1- أخرجه الترمذي، وصححه، عن عبدالرحمن بن عوف.


2- رواه البغوي في تفسيره.


3- أورد الطبري هذا الحديث في تفسيره، وأخرجه الترمذي، وصححه، عن عبدالرحمن بن عوف.


4- رواه البغوي.