Skip Ribbon Commands
Skip to main content
 
 
 

​رثاء/ 

في رثاء الشيخ الدكتور عبدالهادي مسوتي


د. حسان الطيان

أستاذ اللغة العربية في الجامعة العربية المفتوحة

77.jpg


اليوم مات معلمي، مات التقي والنقي، منه تعلمت طلب العلم، وأنا طفل ريض غض لا أتجاوز السابعة، وفي صحبته عرفت الكثير من رجالاته، وفي غرفته كانت أولى دراساتي، وفي مكتبته كانت أولى مطالعاتي، ثم حين شببت عن الطوق تعاهدت معه على حفظ القرآن، فتابع وقصرت.. وأكمل وما نصفت..


وكان أعظم درس تعلمته منه، جلوسه بين يديَّ طالبا في معهد الفتح، وهو الصيدلي المتقن، والحافظ القارئ المقرئ، والعالم العامل المعلم، ليحصل على الإجازة في العربية من الأزهر، بعد أن حصل على إجازة الصيدلة من جامعة دمشق، وإجازة العلم الشرعي من أكابر شيوخ دمشق، وعلى رأسهم شيخ الشام وريحانتها سيدي العلامة الشيخ عبدالرزاق الحلبي رحمه الله وأعلى في الجنان مقامه.


على أن أعظم عطاء حصله، وأجل منحة منحها، كانت كتاب الله عزوعلا، حفظا وتجويدا.. ورعاية وتعهدا وتعليما.


فمضى لغايته ولسان الحال يردد عرفت فالزم، يقطع الليل آيات وقرآنا، فرقى لعمري فوق كل رقى، وسما بدنياه إلى أهل السما.


فهنيئا لك أيها الخال الحبيب ما نلت وما حزت، وليهنك العلم الذي حصلت، وليهنك الذكر الذي حفظت، وليهنك الصبر الذي صبرت، أعلى الله في الجنان مقامك، وبلغك سؤلك ومرادك، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.


... وتعود بي خيوط الذاكرة إلى أكثر من نصف قرن مضى، فيتراءى لي فتى يافع لا يتجاوز العاشرة من عمره، يتأبط كتاب الهدية العلائية في الفقه الحنفي، ليتوسط حلقة من حلقات العلم في مسجد السادات بدمشق الشام، ويكتنفه طفلان غريران، يلوذان به، ويحتميان بظله، عله يشفع لهما جلوسهما في مجلس لا يجلس فيه إلا الكبار عادة.


أما شيخ المجلس فهو شيخنا الشيخ عبداللطيف الفرفور، وأما الطفلان فأنا وأخي رضوان.. وأما الغلام اليافع الناشئ في رحاب العلم فهو خالي عبدالهادي مسوتي رحمه الله وبرد مضجعه.


كان ذلك أول العهد بطلب العلم، ومجالسة العلماء، والمزاحمة بالركب.. وأحسبه كان عام 1964.


وتمضي الأيام.. تتبعها الشهور والسنون، فما تزيده إلا حرصا على طلب العلم، وحبا برجالاته، وتشبثا بحباله، واحتفاء بأهله، واقتناء لكتبه.


أذكر أن والدتي - أطال الله في النعمة بقاءها - كانت تستعير منه كتب الطنطاوي، وما إن تنتهي من كتاب حتى تشرع بالآخر، وانتقلت إلينا عدوى الشغف بالمطالعة، وأكرم بها من عدوى، فبتنا عاشقين للكتب، نترقب فراغ الوالدة من أحدها لنعكف عليه قارئين مستمتعين ومفيدين.


وكان الخال الحبيب عبدالهادي مع أخويه هشام وفريد أترابا لنا وأقرانا، لا نجد دنيانا إلا بهم، ولا يروق لنا العيش إلا معهم، ولا تحلو لنا الحياة إلا في كنفهم..غادين رائحين، وعابثين لاعبين.. لا يخشى علينا الأهل شيئا من غوائل الطفولة وطيشها مادام معنا عبدالهادي مرشدا وموجها وصمام أمان من كل منزلق، إذ كان الأكبر فينا.


وكم أسس لنا من مشاريع يختلط فيها اللعب بالجد، والأنس بالفائدة، والمتعة بالتعليم والعلم..


حتى إذا شب عن الطوق أخذ نفسه أخذا حازما بالجد والاجتهاد والعلم والعمل، فكان القدوة الصالحة لنا، وكم كنت أغبط أخي رضوان على صحبته له في صف واحد، ودراسة مشتركة، ونجاح مطَّرد.


وخار له المولى سبحانه أن يدرس الصيدلة فكان المبرز فيها، ولم يصرفه ذلك عن طريق العلم الشرعي، بل كان ينهل من مجالسه ويتفنن في حضور حلقاته، بدءا من حلقات الشيخ عبداللطيف صالح الفرفور، وبعض حلقات والده الشيخ صالح، ومرورا بحلقات تلامذته وعلى رأسهم شيخنا العلامة الشيخ عبدالرزاق الحلبي، وانتهاء بدروس الشيخ لطفي الفيومي، والشيخ أحمد نصيب المحاميد، والشيخ حسين الخطاب، والشيخ كريم راجح، والشيخ هشام البرهاني والشيخ محمد سكر.. وغيرهم كثير، عليهم رحمات المولى سبحانه.


رحمك الله يا أبا نزار بكل حرف قرأته أو أقرأته.. وجودته أو صححته.. في كتاب الله جل وعلا، ورحمك الله بكل صبر صبرته، وكل كأس تجرعته، وكل هم حملته.. وجعل مقامك في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وجزاك عنا وعن أهلك وتلامذتك وأمتك خير ما جزى راعيا عن أهله، ومقرئا عن صحبه وتلامذته، وعالما عن قومه وأمته.