Skip Ribbon Commands
Skip to main content
 
 
 


الوعي الحضاري


إعداد: د. عمرو عبد الكريم


موضوع العدد/

معركة الوعي: سؤال الهوية


86.jpg


سؤال على مدار أكثر من قرنين من الزمان والأمة الإسلامية من طنجة إلى جاكرتا تعيش أزمة هوية حادة ضربت في أطنابها، وتعددت مستوياتها وتجلت في كثير من مشكلاتها الاجتماعية والسياسية.


ولقد تعددت تعريفات مفهوم الهوية إلا إنه يدور في جوهره بصفة عامة حول ذلك الإحساس بين أفراد مجتمع معين بأن هناك أسسا أو خصائص تربط فيما بينهم وتميزهم عن غيرهم.. كما يرى كثير من علماء العلوم السياسية أن مفهوم الهوية يشير إلى الأساس الذاتي - وليس بالضرورة العاطفي - للعضوية في مجتمع سياسي معين.


ومن الناحية الفلسفية فالهوية هي ما يكون به الشيء هو. وهي مأخوذة من «هو» بمعنى جوهر الشيء وحقيقته، ومن ثم يتم تعريف الهوية بأنها «مركب» من العناصر المرجعية والمادية والذاتية، حيث تجسد الهوية الضمير الجمعي لأي تكوين بشري، أو تكتل إنساني، بما هو نظام قيمي وثقافي واجتماعي، إذ يشكل وعي الجماعة وإرادتها في الوجود والحياة، ومن ثم فالهوية تشير إلى الكيان والذاكرة الجماعية، وهي مرتبطة ارتباطا وجوديا بالمعتقدات الدينية والأبعاد الإنسانية والتشكلات الثقافية التي تطبع أي كيان حضاري بسمات معينة.


لذا فإن كثيرا من الباحثين يؤكدون على أن الهوية هي مجمل الثوابت التي لا تتوقف على غيرها، وتبلور مجمل السمات والخصائص المميزة لمجتمع بعينه.


وبالتالي تصبح «الهوية» محددا لوجود المجتمع وعاملا لاستمراريته، وإذا لم تحفظ ويتم الذود عن حياضها يؤدي ذلك إلى قصورها وعجزها عن مواكبة التطور الحضاري، ويكون ذلك سببا في الانهيار أو التدهور الذي يغشى مجتمعا بعينه.


ومن ثم فسؤال الهوية مرتبط بسؤال الذات الحضارية وسؤال الوجود الذاتي، الذي هو في جوهره وجود مستقر، وراسخ لإنسان تلك الهوية.


وجوهر الهوية هو البحث عن الجماعة أو الكيان الذي يتجه إليه ولاء الأفراد في هذه الجماعة أو هذا الكيان، وعندما تلاشى الانتماء الكبير للأمة اشتعلت الانتماءات الصغرى اشتعال النار في الهشيم، فظهرت الانتماءات الجهوية والعرقية واللغوية والثقافية، وكان الانتماء للكيانات الأصغر كالانتماء للأسرة أو للقبيلة أو للإقليم أو للدولة أو حتى في الانتماء لكيان أكبر من الدولة كالأيديولوجيات العابرة للثقافات، وعادة ما تتعدد درجات الولاء، لكن صلب الهوية يتمثل في الولاء الأسمى للأفراد، فعندئذ يستطيع الفرد أن يجد الإجابة على تساؤلات مثل: من أنا؟ ومن نحن؟ وفي أي وعاء حضاري يتشكل وجودنا الذاتي؟


وجوهر أزمة الهوية الحضارية التي تعيشها الأمة الإسلامية تشير إلى أن ما قبلته تلك المجتمعات ذات يوم (وعلى مدار عقود متواصلة) كتعريفات مادية ونفسية للذاتية الجماعية لم يعد مقبولا، أو طرأت عليه من العوامل ما جعلته محل شك في مجتمعات، ومحل إنكار في مجتمعات أخرى، ومحل محاربة في مجتمعات ثالثة.


وعلى مدار الرقعة الواسعة التي تظلل محور طنجة - جاكرتا أثار سؤال الهوية قضيتين مختلفتين:


القضية الأولى: وهي قضية تعدد الهويات وتصارعها، بما يعنيه ذلك من وجود كيانات أخرى خلاف الأمة؛ يتجه إليها ولاء الفرد، وهنا تثار العديد من الأسباب حول تعدد الهويات وتصارعها في بلدان عالم المسلمين، وكان من نتيجة ذلك أن عانت كثير مما يسمى بالدول الإسلامية من مشكلات عدم التكامل الوطني أولا، ثم عدم التكامل الإقليمي، ثم ثالثا: مشكلات عدم التكامل القيمي.


القضية الثانية: وهي وجود فجوة واسعة بين النخب على مستوى دول العالم الإسلامي والشعوب، إذ في الوقت الذي تولى فيه زمام الأمور نخب ما بعد الاستعمار تشعبت الهويات الوطنية بدول العالم الإسلامي واتسعت فيه الفجوة بين الشعوب والقيادات السياسية والفكرية التي مكن لها الاستعمار من بعد.


وترجع جذور أزمة الهوية في أغلب بلدان العالم الإسلامي إلى الدور الكبير الذي ساهمت به دول الاحتلال الغربي في سحق جذور الهوية الإسلامية، فكانت أزمة اللغة العربية في أغلب بلدان المسلمين مما نتج عنه تشوه المجال الثقافي واللغوي، إذ إن الاحتلال اللغوي - إذا جاز التعبير - في بعض البلدان الإسلامية وسيادة اللغة الأجنبية على المجال العام والتعليمي والتربوي، ولعقود طويلة أدى إلى تفجر أزمة الهوية في دولة ما بعد الاحتلال.


لقد عمل الاحتلال في أغلب بلدان المسلمين على تحطيم الأسس والمقومات الذاتية التي قامت عليها المجتمعات الإسلامية، وعلى التوازي ما قامت به قوات الاحتلال الثقافي في زرع بذور ثقافته ونظمه السياسية والاجتماعية، حتى ضاعت خصوصياتها الحضارية، وذابت معالم هويتها الوطنية والدينية، وتكرست التبعية وضمن الغازي استمرارها.


وكان من تداعيات استمرار أنماط ما قبل الاحتلال أن تشوهت البنية الثقافية لأغلب دولنا الإسلامية، ورغم أن كثيرا من تلك الدول نصت في دساتيرها على أن دينها الإسلام فإن النظم الحاكمة لم تعط هذا الشعار أي محتوى حضاري أو ثقافي أو اقتصادي، وهذا أول ما يعني أن الاحتلال ذهب لكن نهجه بقي متجذرا في البنية السياسية لدولة الاستقلال.


ولقد ساعد على استحكام أزمة الهوية في معظم بلدان العالم الإسلامي عدة عوامل، أهمها: أن الانفتاح على العالم الغربي فرض لغته في المعاملات الاقتصادية، فكانت اللغة الأجنبية هي لغة المسيطر والمهيمن في لعبة غير متوازنة، استمر فيها قانون ابن خلدون: إن المغلوب مولع بتقليد الغالب.


وربما يكشف سؤال الهوية أهم إشكالات قضايا الوعي الحضاري، إذ إن جوهر سؤال الهوية هو علاقة الذات الحضارية بالآخر المختلف، وعلى مدار قرون كانت العلاقة بالآخرين سواء في بعدها الصراعي أو التعاوني أهم مظاهر اكتشاف الذات.


ولقد تجلى سؤال الهوية في مراحل الانتقال التي عاشتها الشعوب الإسلامية من الأمة - الدولة إلى بدايات تشكل الدولة القطرية، وانغماسها في أزمات ما بعد الاستقلال، ومحاولات بناء دول تملك مقدراتها الذاتية، وتملك قدرات تفعيل مواردها على مواجهة تحدياتها.


وعلى مدار عقود الاستقلال الطويلة عاشت أغلب شعوب العالم الإسلامي أزمة الصراع بين الهوية القطرية أو الهوية السياسية التي تمثل الدولة القومية الحديثة باعتبارها الممثل للعقد الاجتماعي بين السلطة والمواطنين، وبين الهوية الحضارية التي تقوم على أسس: الدين واللغة والثقافة التي تحياها تلك الشعوب والتي تدور في فلكها تلك الدولة.


سؤال الهوية يطرح من الإشكالات أكثر مما يقدم من الأجوبة، وأجوبته مفتوحة لا تحتكر الحقيقة ولا تقصرها على تصور بعينه، بأسئلة الوعي بقدر ما تبعد عن التنميط بقدر ما تفلح في إثارة الذات على واقع أكثر تنوعا وتعددا، وهو ما حفظ الذات الحضارية على مدار قرون طويلة فاستوعبت الحضارة الإسلامية على مدار المساحة الشاسعة التي تظلل محور طنجة - جاكرتا التنوع العرقي والديني والثقافي واللغوي، وحافظت على قدر من التجانس في إطار ثقافة استيعابية تؤكد قيم التعايش السلمي، وثقافة الحوار بالتي هي أحسن، وقبول الآخر المختلف: دينا وعرقا ولغة ومذهبا، وسيادة قيم العدل والقسط والمساواة بين الناس.


ملاحظة منهجية


«الهوية الكونية» التي يروج لها البعض من مفكري عالمنا العربي والإسلامي لا يمكن أن تكون بديلا للهوية الحضارية لشعوب أمتنا لكثير من الاعتبارات الفكرية والعملية والواقعية، وكما حاولت «العولمة» تنميط العالم في الإطار الحضاري الغربي، إلا إن الانفجار التكنولوجي الرهيب في وسائل التواصل الاجتماعي فجر كل الهويات الكامنة على مدار شعوب الكرة الأرضية، وأحيا ما كان قد اندثر من هويات ذاتية لشعوب صغيرة، فما بالنا بعالم إسلامي يتمحور العالم حول حركته وإن كان في مرحلة خفوت حضاري واضح.








في المفاهيم والمصطلحات الحضارية


في مفهوم الحضارة


مفهوم الحضارة عند الفيلسوف طه عبدالرحمن


الحضارة إنتاج خطابي وسلوكي يستند إلى قيم إنسانية حية.


مفهوم الحضارة عند صامويل هانتغتون


«فما الذي نعنيه عندما نتحدث عن حضارة ما؟ إن الحضارة هي كيان ثقافي. فالقرى والأقاليم والمجموعات الاثنية والقوميات والمجموعات الدينية لها جميعها ثقافات متميزة… وهكذا فإن الحضارات هي أعلى تجمع ثقافي للناس وأوسع مستوى للهوية الثقافية للشعب، ولا يسبقها إلا ما يميز البشر عن الأنواع الأخرى. وهي تحدد في آن معا بالعناصر الموضوعية المشتركة، مثل اللغة والدين والتاريخ والعادات والمؤسسات، وبالتحديد الذاتي الذي يقوم به الشعب نفسه».





مقولات في الوعي الحضاري


«مشكلة اليقظة الدينية» التي دخل فيها العالم الإسلامي تفتقر إلى:


سند فكري محرر على شروط المناهج العقلية والمعايير العلمية المستجدة، فلا نكاد نظفر عند أهلها لا بتأطير منهجي محكم، ولا بتنظير علمي منتج، ولا بتبصير فلسفي مؤسس.


وتراجع اليقظة بأسرع مما استغرق ظهورها من الوقت من نتائج ظاهرتين هما:


1- الغلو في الاختلاف المذهبي.


2- الخلو من السند الفكري.


الفيلسوف طه عبدالرحمن


«النكتة باعتبارها جزءا من الثقافة الشفهية يمكن أن تكون قناة يعبر من خلالها الرأي الشعبي عن رأيه ورؤيته وغضبه بعيدا عن رقابة سلطة الدولة المركزية، وبالتالي يمكن للنكات أن تكون مؤشرا على تصاعد الوعي الشعبي ودعوة لقوى المعارضة وأعضاء المجتمع المدني للتحرك، تساندهم قاعدة شعبية عريضة».


الدكتور عبد الوهاب المسيري


«إن من الناس من يختارهم الله فيكونون قمح هذه الإنسانية ينبتون ويحصدون ويعجنون ويخبزون ليكونوا غذاء الإنسانية في بعض فضائلها».


مصطفى صادق الرافعي





عرض كتاب


نقد العقل المسلم: الأزمة والمخرج، تقديم الدكتور محمد عمارة


عبدالحليم أبوشقة


الكويت: دار القلم، ط 2، 2005، 221 صفحة.


كتاب أستاذنا الكبير الراحل عبدالحليم أبوشقة «نقد العقل المسلم»، كتاب مركزي في باب الوعي الحضاري، وإذا كان كتابه «تحرير المرأة في عصر الرسالة» هو أهم أعماله الفكرية، فإن كتاب نقد العقل المسلم هو أهم الوصفات الشاملة لأزمة هذا العقل.


يقول مقدم الكتاب الدكتور محمد عمارة: «هذا الكتاب صفحات من الإبداع الفكري الخالص، لأنه لم يكتب في صورة كتاب يتوجه به صاحبه إلى الحياة الثقافية والفكرية، فيراعي ملابساتها وضغوطاتها ومقتضيات مجاملاتها أو توقى محاذيرها وإنما كتب في صورة:


ومضات فكرية، وإلهامات إبداعية خالصة في الصدق والتجرد والعمق والنقاء، فهو زفرات عقل، تصاعدت في لحظات خلوة مع نفس كبيرة تحمل هموم الأمة الإسلامية، بل والإنسانية وتتعبد الله، سبحانه وتعالى، في محراب التفكر والتدبر والتعقل فيما آلت إليه أحوال المسلمين، كأمة والإسلاميين، كطليعة تعلق عليها الأمة أغلب الآمال في النهوض المنشود.


وهو أطواق نجاة للعقل المسلم المعاصر من حالة التردي والتخبط والإحباط، التي تمثل المخاض الذي طال انتظار الخروج من أوحاله».


يقع الكتاب في ثلاثة فصول هي:


الفصل الأول: أزمة العقل المسلم المعاصر.


وبدأ فيه المؤلف بتبيان حجم العقل كنعمة خاصة بالإنسان دون غيره من الكائنات، وربط الكاتب العقل بالإيمان ربطا يجعل أحدهما بدون الآخر خللا في النفس، فكيف يكون الإيمان بلا عقل إلا عبودية لبشر؟ فنحن لم نر الله تعالى، ولم نتوصل إليه إلا بعقولنا، وما كان الهدي النبوي عبر الأزمنة إلا مكملا للطريق الذي ابتدأه العقل نحو الإيمان.


وما العقل دون إيمان يهديه ويرفع من إنسانيته وروحه؟ ودون قيم عليا يهتدي بها تحميه من تدمير نفسه والعالم؟


وفي هذا الفصل يستعرض المؤلف أهم أعراض انحراف العقل المسلم المعاصر وهي:


1- الغفلة عن القواعد الأصولية والقواعد الفقهية.


2- الوقوع في بعض المزالق الفكرية.


3- سيطرة الأعراض النفسية السلبية.


وربما كانت أهم ملامح عبقرية المؤلف هي قدرته على ضرب الأمثلة والتمثيل لكل العناصر التي يوردها، وهو الأمر الذي يجعل من عرض أو اختصار مثل تلك النوعية من الكتب أمرا شاقا وعسيرا، ولا يغني بحال من الأحوال عن قراءته قراءة واعية متبصرة، وهو الأمر الذي أشار إليه مقدم الكتاب الدكتور محمد عمارة.


أما الفصل الثاني: حول منهج التفكير الإسلامي.


فيؤكد المؤلف فيه على أن أهم نقطة في صناعة الحضارات، هي صناعة الإنسان، فكلما ارتقى الإنسان وبلغ درجة عالية من التحضر أدرك أهمية صناعة الإنسان، وأولاها عناية خاصة تفوق عنايته بصناعة الآلات، ورسم الخطط وبذل المال لإعداد صانعي الإنسان وصانعي الأجيال.


ثم يحدد المؤلف مصادر المعرفة الإسلامية:


1- الوحي كمصدر لبعض المعلومات عن الكون، بعضها وصلنا إليها بالعلم التجريبي وبعضها ما وراء العقل.


2- الكون، ووسائل تحصيل المعرفة فيه هي الحس والعقل.


وفي الفصل الثالث: حول الخلاف والحوار.


يتحدث المؤلف عن الخلاف والحوار، وعن أهمية كل منهما، فالخلاف ضرورة من ضرورات الخلق، ولن يتفق الناس جميعا على شيء واحد ولو أردنا ذلك.