552
يوليو 2011
 

 محرر المحتوى

 

دور الأدب المقارن في عالمية الأدب العربي

فيصل سليمان حسن

يعرف الأدب المقارن (Comparative Literature) على نحو اصطلاحي عام بأنه نوع من الدراسات النقدية الأكاديمية الحديثة التي تتصدى لدراسة أدبين أو أكثر ينتميان إلى قوميتين مختلفتين ولغتين مختلفتين، من منظور علمي أكاديمي محايد، من حيث علاقات التأثر والتأثير والتشابه والاختلاف، والموازنة الفنية والموضوعاتية والجمالية، وبيان النظرة المتبادلة التي يرسمها الأدب القومي عن شخصية الأدب القومي الآخر، ففضلًا عن انتشار المذاهب الأدبية والتيارات الفنية بين الآداب القومية، وغير ذلك من ميادين المقارنة المتعددة التي تلتزم حدود العمل الأدبي، للوصول إلى التعبيرات الأدبية المتنوعة للروح الإنسانية وما تطرحه من مقولات فنية وفكرية وأخلاقية وجمالية سامية، على اعتبار أن العمل الأدبي القومي لا يعبر فقط عن الروح الوطنية الضيقة بقدر ما يرتفع بها لتعكس التعبير عن الروح الإنسانية المترفعة عن الحدود اللغوية والقومية، في صراعها من أجل المعرفة والحياة والحرية.

الحقيقة أن الأدب المقارن بهذا المفهوم الاصطلاحي العام يشكل وسيلة حديثة شديدة الأهمية والفعالية للأدب العربي فيحفز مسيرته الإبداعية نحو تحقيق سمات الأدب العالمي World Literature أو ما بات يعرف اصطلاحًا بـ «عالمية الأدب العربي», فإذا كان الأدب العالمي يعرف على نحو اصطلاحي عام بأنه «ذلك النوع من الأدب القومي الذي بلغ مستوى عالميًّا من النضج الفني والفكري عبر تجربته الابداعية بما يمكنه من تجاوز حدوده القومية واللغوية في التأثير الفني والجمالي والموضوعاتي بالآداب القومية الأخرى، وتبادل علاقات التواصل والتفاعل الإبداعي الحر معها، فضلًا عن قدرته الفذة على التعبير الفني العميق عن هواجس الروح الإنسانية العميقة بغض النظر عن لغتها أو عرقها أو موطنها أو جنسها»، فإن الأدب العربي استطاع ولا سيما في النصف الثاني من القرن المنصرم أن يقطع خطوات حثيثة من النضج الفني والفكري والجمالي في الوصول إلى العالمية في ضوء علاقات التفاعل والتواصل المتبادل مع الآداب القومية الأخرى التي أغنت مسيرته التعبيرية والإنسانية معًا، وجعلته يحظى بقبول عالمي ملحوظ، ويساهم بفعالية في الحراك الابداعي العالمي شعريًّا ونثريًّا، ونستطيع أن ندلل على صحة ذلك بجوانب متكاملة متداخلة بارزة هي:

1- الجوائز العالمية الكبيرة التي حصدها مبدعون عرب: نذكر هاهنا «منح جائزة نوبل للآداب للروائي نجيب محفوظ، وجائزة «بجورنسون» النرويجية وجائزة «ليتو» الإسبانية للشاعر أدونيس، وجائزة «اليونسكو» للشاعر محمود درويش، وجائزة «غونكور» الفرنسية للكاتب المغربي طاهر بن جلون وغير ما ذكرنا كثير.

2- حركة الترجمة الكبرى التي لقيتها أعمال إبداعية عربية: على شاكلة ما نجد عند الأدباء محمود درويش، ونجيب محفوظ، وأدونيس، وجبران خليل جبران، وغيرهم كثيرون، حيث ترجمت على سبيل المثال لا الحصر، أعمال أدونيس إلى أكثر من خمس وسبعين لغة حية حول العالم وتحول كتابه (النبي The prophet)، إلى ما يعرف بكتاب الـ (Best seller) أي الأكثر مبيعًا, وطبع منه في الخمسينيات من القرن المنصرم ملايين النسخ، وكذلك طبعت أعمال محمود درويش الشعرية في فرنسا وألمانيا مثلًا بما يعرف بـ «كتاب الجيب» الواسع الانتشار، وإن دلت هذه الأمثلة على شيء فإنما تدل على الحضور الواسع للأدب العربي في الأوساط الثقافية والأدبية العالمية ومستوى القبول الذي يحظى به من جمهور القراء من غير أبنائه.

3- الاحتفال بالكتاب العربي ضيف شرف على فعاليات أدبية ثقافية عالمية: كالاحتفال بالكتاب العربي ضيف شرف على معرض الكتاب الدولي في باريس ومدريد وطهران وفرانكفورت وأنقرة وطوكيو، وغيرها من مراكز الحراك الدولي للكتاب، ويتم فيها اختيار مجموعة من الكتب المميزة في الأدب العربي لطرحها على طاولات البحث والنقاش النقدي المرفقة لفعاليات معارض الكتاب، ليصار إلى دراستها ابداعيًّا باعتبارها تمثل نماذج جيدة لحركة الأدب العرب في المرحلة الراهنة بسلبياتها وإيجابياتها، ثم تكريم مبدعي هذه الكتب.

4- مشاركة رمرز الفكر والأدب العربي في الحراك النقدي والنقاشي في الساحات الأدبية والثقافية العالمية التي تتصدى لقضايا الأدب المتنوعة نقدًا ودراسة، والاحتفال بمشاركتهم من خلال نشرها في دوريات إعلامية مسؤولة: ولا ننسى هاهنا دعوة الكاتب المسرحي سعد الله ونوس لإلقاء الكلمة الافتتاحية لمهرجان المسرح الدولي في طوكيو، كذلك مشاركة الكاتب والناقد الدكتور كمال أبوديب في الحراك النقدي والنقاشي للشعر المعاصر في فعاليات دولية ثقافية بلندن، وأيضًا الدكتور المرحوم هشام شرابي والمرحوم الدكتور محمد أركون وأدونيس، مما جعلهم يتركون أثرًا لا يخفى في الحراك النقدي النقاشي حول الأدب في الساحات الأدبية والنقدية العالمية.

وإذا كانت هذه الجوانب المتكاملة تدلل بشكل واقعي منطقي ثابت على مرحلة النضج الفني والجمالي التي بلغها الأدب العربي وقدرته على مواكبة الحراك الأدبي والثقافي العالمي فنيًّا وجماليًّا وفكريًّا بما جعله يدخل باب العالمية برأينا، فإنها من جانب آخر تفتح المجال واسعًا أمام الأدب المقارن المهني لممارسة دوره النقدي والدراسي المهني للكشف عن قضايا التأثر والتأثير المتبادل بين الأدب العربي والآداب العالمية وعلاقات المثاقفة (Acculturation) والحوار الابداعي، والتواصل الموضوعاتي المشترك والمقولات الفكرية والفنية والجمالية التي يقدمها للشخصية العربية والشخصية الأجنبية في الأعمال الأدبية ونصيبها من السلب والإيجاب، وذلك كله من منظور حرفي مهني بعيدًا عن العنصرية بمعناها السلبي البغيض، وبعيدًا عن الشخصانية والكيدية والاتهام بالتآمر وسوء الظن، لأنها سمات لا تتوافق والأدب المقارن المهني بمعناه الحضاري الراقي الذي يهدف إلى تلمس نقاط الاشتراك في التعبير الفني المتنوع للآداب العالمية عن الروح الإبداعية الواحدة البشرية، وما تطرحه مشكلات الحياة والفكر والثقافة عليها من أسئلة جوهرية مشتركة وطريقة الإجابة الأدبية عنها.

هذه هي بعض ملامح الدور المنشود للأدب المقارن العربي الذي يمكنه حفز القيم الفنية والجمالية العالمية للأدب العربي، وإبرازها على نحو خلاف مبدع يليق بأدب يحمل تاريخًا عريقًا من الإبداع في نواحي الفن والمعرفة والجمال، ولكي يحقق الأدب المقارن العربي هذه الأهداف على نحو ناضج راقٍ لابد من أن يأخذ بعين الاعتبار الجوانب الآتية:

1-تقديم الأعمال الإبداعية العربية للعالمية تقديمًا حضاريًّا من منظور موضوعي، فالباحث المقارن ينطلق من داخل النص الإبداعي العربي، من دون مبالغة أو تهويل أو «تقويل» النص ما لا يقوله حقيقة، ويقدمه للقارئ العالمي تقديمًا يمزج بين مقولات الأصالة الوطنية ومشكلاتها وهواجسها وتساؤلاتها، وبين مقولات العالمية ومشكلاتها المعاصرة وهواجسها وتساؤلاتها، بحيث ينتمي النص الإبداعي العربي الذي يتصدى له الباحث المقارن إلى قيمه العربية ويعبر عن هواجس الذات العربية المعاصرة وقضاياها المتنوعة، بالوقت ذاته الذي يعبر فيه عن هواجس الذات الإنسانية المعاصرة في كل زمان ومكان، ويتبنى مقولاتها وقضاياها الحياتية الأساسية، وهذا معناه أن يبرز الأدب المقارن العربي في أبحاثه البعد الحضاري كجزء لا ينفصل عن الخطاب الأدبي العربي المعاصر.

2-لما كان الأدب، في بعض تعريفاته، تعبيرًا فنيًّا وجماليًّا عن صور الذات

الإنسانية وتنوعاتها، فإن الادب المقارن العربي مدعو وبإلحاح، إلى البحث عن صور الذات الإنسانية ومناحيها، كما انعكست في نتاجات الأدب العربي المعاصر المختلفة شعرًا ونثرًا، ولا سيما ما يتصل بوسائط الحوار الفني والجمالي الأدبي الذي أجراه الأدب العربي المعاصر مع الآداب العالمية الكبرى، كالآداب الأوروبية، والأميركية والمسافات الجمالية التي أفرزها هذا الحوار، فمن المعلوم أن الأدب العربي المعاصر مثلًا انعكست في نتاجاته الشعرية والنثرية حوارات فكرية وأدبية كثيرة مصدر الغالب منها الآداب الأوروبية المعاصرة، تشربها الأدب العربي المعاصر بعد أن أخضعها لتجربته الذاتية وثقافته وقيمه، ثم أضاف عليها ما ينسجم مع هذه التجربة وتلك الثقافة والقيم، وهذا ما بات يعرف في الدراسات المقارنة المعاصرة بـ «التناص»، والإضافة الفنية والجمالية تسمى «المسافة الجمالية» ولعل التناص lntertext و«المسافة الجمالية» Beauty distance من أهم صور التعبير الفني والجمالي عن الذات الإنسانية بكل صورها وتنوعاتها التي يجب أن يشمر دارسو الأدب المقارن المعاصر عن سواعدهم لدراستها بكل موضوعية ومهنية.

3- إذا كان العصر الذي نعيش فيه عصر تراكم ثقافي هائل، وتواصل تكنولوجي غير مسبوق حول العالم إلى أسرة، وليس لقرية كما كان يقال سابقًا فإن الأدب المقارن مدعو إلى الاستفادة الحثيثة والفاعلة من هذه الظروف المميزة، بما يعود على دوره الثقافي والفني والأدبي بالمزيد من الغنى والفاعلية، وهنا لابد قبل كل شيء أن يعيد النظر بكل مصطلحاته وأدواته، فمن المعلوم أن المصطلحات التي أنتجها علماء الأدب المقارن ورموزه منذ غوته وحتى يومنا هذا أصبحت قاصرة ومتخلفة، وغير قادرة على مواكبة الدراسات والاتجاهات الفنية والفكرية في العصر الحديث وتتطلب تطويرًا حقيقيًّا في حقولها الدلالية لتصبح أكثر قدرة على مواكبة التراكم الثقافي الهائل الذي نعيش أبعاده هذه الأيام، ولتستجيب من جانب ثانٍ للتقنيات التحليلية الجديدة في الدراسات المقارنة، والأفكار التي تطرحها.

باحث سوري