559
يناير-فبراير 2012
 

 محرر المحتوى

 

مسك الختام

nasersonna-154x200_opt.jpeg تشريعات الإعلام وأخلاقياته

 

 
د. ناصر أحمد سنة

كنت أقوم بأعمال الإشراف والمراقبة علىلجنة اختبار مادة «الكتابة للإذاعة والتلفزيون»، ضمن برنامج الإعلام في التعليم المفتوح. بدأت اللجنة بداية طبيعية، ولكن لم تكد تمر ساعتها الأولى (ضمن ثلاث ساعات هو زمنها) وإذ بثلاثة من الدارسين (طالبان، وطالبة يمثلون عُشر هذه اللجنة) يضبطون (على التوالي) وبحوزتهم وريقات خاصة بالمادة، ويقومون بالغش منها، وقد قام أحدهم ـ سريعًا بإلقاء «مضبوطاته» من النافذة التي كانت بجواره، محاولاً تبديد ومحو هذا «الحِرز المضبوط» حُررت ثلاثة محاضر للغش، وأخرجوا من القاعة، وحولوا للجنة التحقيق.

بعد يومين من هذه الواقعة.. وفي نفس برنامج الإعلام، وبعد مرور نصف زمن الاختبار (ساعة ونصف) تكرر الأمر ذاته. فقامت ثلاث من الطالبات (أيضا يمثلن عُشر هذه اللجنة) بالغش من وريقات صغيرة أخفينها في «أكياس مناديل ورقية»، وحقيبة أقلام صغيرة أمامهن. تبقى المفارقة أن هذه المادة هي «تشريعات الإعلام وأخلاقياته». فقلت في نفسي: هل هذا يشكل «أنموذجاً» لما ستكون عليه أخلاقيات العاملين في حقل الإعلام والمنتسبين له. وأين ذلك من قول رسولنا محمد  "صلى الله عليه وسلم"   عندما مرّ على صُبْرَة طعام، فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟»، قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غشّ فليس مني». وفي رواية أخرى عند مسلم : «من غشنا فليس منا» (رواه مسلم من حديث أبى هريرة  "رضي الله عنه"  ).

فهل يصير نحو عشرة بالمائة من مجموع العاملين في حقل الإعلام، وللإعلام أهميته وخطورته في آن، «ليسوا منا»؟. وأين أمثال تلكم المواقف من أخلاقيات العمل الإعلامي المنضوي تحت مظلة الأخلاق في حياتنا الإسلامية بمرجعيتها الإلهية.. لا الوضعية أو العُرفية أو النفعية البراجماتية.

إن أخلاقنا النابعة من إسلامنا الحنيف تترجم على أرض الواقع معاملات نابعة من صدق، وأمانة، ونزاهة، وشرف، وموضوعية، وحيادية، ومسؤولية، وبحث عن الحقيقة، وإتقان، واجتهاد، وتقوى، ومراقبة ذاتية.. فردية وجماعية، واحترام أخلاقيات وقيم وكرامة ووحدة نسيج الأسرة والمجتمع والوطن... إلخ. ثم على الجانب الآخر، تتجسد في تشريعات وقوانين ومواثيق وتنظيمات تخضع للمحاسبة والعقاب، تشريعات عادلة تسائل كل من يخالف ما سبق، ويتعمد الإساءة، أو التخوين، أو التجريح أو توجيه الحملات ذات الطابع الشخصي أو التمييز العنصري، أو إذكاء التعصب والعصبيات بأنواعها وأشكالها، أو تهديد أمن المجتمع أو الوطن أو الأمة.

إننا بحاجة ـ وقد بلغ السيل الزبى، واختلط الحابل «الإعلامي» بالنابل، وتحولت بعض مظاهر الحرية إلى فوضى إعلامية، إلى تفعيل كلا الجانبين. والتأكيد على رسالة وآداب ومواثيق معايير مهنية لوسائل الاتصال جميعها.. من صحافة وكتب وإذاعة وسينما ومسرح ونشر ورقي وإلكتروني. كذلك تلكم المتعلقة بحق التعبير والاطلاع، وبجوانب المضمون الاتصالي (الإعلامي، الإخباري، التعليمي، الترفيهي، الإعلاني... الخ).

فالمسؤولية تعني حسن استخدام الحرية, و الحرية تعني روح العمل الصحفي، والمسؤولية هي حالة وعي الصحافة برسالتها ومعيار الرشد للمارسة المهنية، وإن الضمير المهني يعني البوصلة الذاتية التي تقود خطى الصحافة والصحفيين الى غايات الممارسة.

قد يقول قائل: إن ما ذكرت من حالات «غش إعلامي» إنما هي حالات فردية لا ينبغي أن تُعمم، فمازال الدارسون في حقل الإعلام بكل الخير، نعم، ليس في ذلك شك، بيد أنه إن كانت ثمة فائدة ترجى من مثل تلكم المواقف «اللاأخلاقية» فهي تلك الخواطر التي استدعتها هذه الأحداث وأراها مهمة في ضوء ما نعيش من أحداث عامة، وتحديات طامة، ومنعطفات مُلمة، ليست بحاجة لمزيد بسط أو شرح.