559
يناير-فبراير 2012
 

 محرر المحتوى

 

الدكتور عبدالحي الفرماوي أستاذ التفسير والعقيدة بجامعة الأزهر:

هيئة لــ « أهل الحل والعقد» تربط المسلم بصانع القرار

القاهرة - دار الإعلام العربية - الشريف أبو الوفا

ثلاثة مطالب أساسية تعيد الإحساس المفقود بالأمان لدى المواطن المسلم، 1315479494_opt.jpeg  خاصة في العديد من الدول التي اجتاحها ربيع الثورات العربية.. هذا ما أكد عليه د.عبدالحي الفرماوي أستاذ التفسير والعقيدة بكلية أصول الدين جامعة الأزهر، كاشفًا عن الداء وواصفًا الدواء للعديد من القضايا المختلفة الألوان والاتجاهات.. وفند الفرماوي كذلك في لقائه مع «الوعي الإسلامي» أسباب جمود الثقافة الفقهية، وما أحدثته العلمانية في عقول المسلمين.. فإلى تفاصيل الحوار.

< افتقد المواطن المسلم نعمة الأمان خاصة في المجتمعات التي اجتاحتها اضطرابات.. فكيف يتحقق الأمان برأيك في المجتمعات الإسلامية؟

لكي يصل المجتمع المسلم إلى الأمان لابد من تحقيق مطالب إلهية ثلاثة ذكرها الله سبحانه وتعالى في قوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور: 55). أما المطالب الثلاثة فتتمثل في «الإيمان» و«العمل الصالح» و«العبادة» هذه هي العناصر الأساسية لتحقيق الأمان المفتقد، فالمجتمع المؤمن مجتمع آمن يسلم كل أفراده من الأذى ولا يوجد بداخله فوضويون، وإذا وجد بعض الانفلات فإنه ينبغي أن يعالج على بساط ونور وهدى الإسلام، والذي يبقى تأثيره أكثر قوة من أي قانون عقوبات ومن أي حبس وزجر، فإن لم يرتدع الخارج تفرض عليه العقوبة المذكورة في الشرع، إن كان سارقًا يحد بقطع يده، وإن كان قاتلًا يقتل حدًا، ولمثل هذا شرعت الحدود والتعزيرات.

< وفي ظل اختلاف الرؤى التي تبعث على الفوضى.. ما أقوى كفالة لاحترام القانون؟

الاختلاف سُنّة إلهية، لكنّ له ضوابط وآدابًا، فإذا التزم الإنسان بهذه الآداب والضوابط مع من يخالفه فلن تحدث فوضى ولن يحدث أبدًا ما يعكر صفو المجتمع واستقراره، ومن شيم العلماء وما تعلمناه من السلف الصالح قولهم: «رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب»، وكان أحدهم يقول: «كنت أتمنى أن يظهر الحق على لسان من يناظرني»؛ لأنه يبحث عن الحق لذاته لا عن انتصار لشخصه، وهذه هي علة الفوضى الموجودة الآن في عالمنا العربي، أن معظم المتخالفين كل منهم يبحث عن انتصار ذاته على من يخالفه دون أن يرنو إلى الحق.

< ولماذا برأيك أصيبت ثقافتنا الإسلامية في العصر الحالي بالجفاف والجمود؟

أسباب ذلك ترجع إلى التيارات الوافدة من الثقافات غير الإسلامية، وكذا أجهزة الإعلام الملهية، وتسيد كوكبة من الإعلاميين البعيدين عن الثقافة الإسلامية على منابر الثقافة والإعلام في وطننا العربي والإسلامي، كل هذا صرف الناس عن ثقافتهم وهويتهم الإسلامية.

هذه أسباب الفوضى.. وهكذا يتحقق الأمن

<هل يمكن رسم خريطة طريق أو دعوة لإحياء علوم الدين بعد أن وقفت مؤلفات كثيرة عند أمور شكلية؟

الناس على دين ملوكهم، والتاريخ يشهد على ذلك، فمثلًا في العصور السابقة مثل العصرين الأموي والعباسي كان الحكام والأمراء يولون اهتمامًا لا يدانيه اهتمام آخر بشؤون الدين وعلومه، لذلك كانت الدعوة مزدهرة ومنتشرة.. بينما فيها الفترات التي كان الحاكم أو نظام الحكم فيهامشغولًا بشيء آخر غير الدعوة كان الشعب أيضًا بعيدًا عن الدين وعلومه، لذلك تعيش الأمة الإسلامية الآن في غيبوبة لا يبددها سوى مجهودات قلة من المؤسسات الإسلامية مثل الأزهر ورابطة العالم الإسلامي والهيئة العالمية لتحفيظ القرآن الكريم.

< وماذا عن مواصفات الرابطة التي تربط المسلم بصانع القرار في مجتمعه؟

حتى يرتبط المسلم بصانع القرار يجب أن تكون هناك هيئة تسمى «الحل والعقد» يختارها الشعب دون ضغوط، تلتزم بالضوابط وترضى بالأدلة القطعية حتى وإن اختلفت في الفرعيات، هذه هي مواصفات الهيئة أو الرابطة التي تربط بين عموم الناس وصناع القرار في المجتمع المسلم.

< في ظل تيارات معادية للإسلام مثل «العلمانية» و»الحداثة».. هل يساورك قلق على الإسلام وشريعته من هذه التيارات؟

منذ ظهور الإسلام ظهرت التيارات المعادية له، وعلى مر الأيام تموت هذه التيارات الشاذة عن المجتمعات الإسلامية والمناهضة للفكر الإسلامي ويبقى دين الحق، لذلك لا قلق من هذه التيارات ولا خوف من ضررها إلا على أهلها، وقد ظهر من قبل الباطنية والقرامطة والغلاة وكلهم ذهبوا، وستذهب خلفهم تيارات العلمانية والحداثة وما سيستحدث لاحقًا من تيارات تعادي الإسلام.

< تستخدم هذه التيارات سلاح الكلمة في حربها مع دين الحق.. فهل استطاعت الصحافة الإسلامية مواجهة هذه التيارات بقوة؟

حتى هذه اللحظة مازالت العلمانية والحداثة وغيرهما تسيطر على الإعلام المقروء والمسموع والمرئي، على عكس الإسلاميين الذين يفتقدون كثيرًا أدوات الرد الإعلامي على هذه التيارات.. ومن الأهمية أن تبحث الصحافة الإسلامية عن أدوات ومفردات تواجه بها أفكار العلمانية والحداثة.

< هناك رأي يقول إن شروح بعض المثقفين العرب لمفاهيم الحضارة الغربية أسهمت في ترسيخ هذه التيارات في عقول المسلمين وأحدثت ضعفًا في العقيدة.. فهل تتفق مع هذا الرأي؟

بالفعل أسهم كثير من المثقفين العرب في الترويج لمفاهيم الحضارة الغربية والمناداة بأدواتها، ولأن الضعيف ينبهر بالقوي والفقير ينبهر بالغني، انبهرنا بالغرب وبإنتاجه، ومن ثم انبهرنا بأفكاره، وهذا اتجاه قديم منذ رفاعة الطهطاوي وطه حسين وغيرهما ممن ذهبوا إلى أوروبا وعادوا ينادون بآراء لا تتفق مع الإسلام.

< وما تفسيرك لانتشار الأزمات النفسية بين أبناء المسلمين اليوم؟ وهل هي مشكلة اقتصادية أم بعد عن الدين؟

الاثنان معًا.. أولًا الابتعاد عن الدين يفقد الإنسان الثقة واليقين في رحمة الله وفي عدله وفي رحمته بعباده، ومن ثم يصاب بالتأزم النفسي.. أيضًا الجانب الاقتصادي له نسبة كبيرة في نشر الأزمات النفسية، وهذا ما جعل علي بن أبي طالب يقول كلمته الشهيرة «لو كان الفقر رجلًا لقتلته»، والله سبحانه وتعالى ذكر آيتين عالج فيهما التأزم فقال: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا}، (الإسراء: 31) وقال أيضا: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} (الأنعام: 151)، فهذا علاج للأزمات الاقتصادية بجانب أن كثيرًا من الدول الإسلامية لا تسهم في حل مشكلات الشباب ظنًا منها بأنها لو فعلت ذلك فسيتفرغ الشباب لانتقاد نظم الحكم.

< إذا عدنا إلى مسألة الفوضى نجد ما يسمى «فتاوى الفضائيات» التي برغم التشكيك في كفاءة القائمين عليها فإنها تحظى بقبول كبير من العامة.. فما السر؟

فتاوى الفضائيات اختلط فيها الحابل بالنابل وغاب عن القائمين عليها أن للفتوى شروطًا وضوابط وثقافة، ولها أهلها الموثوقون، وينبغي ألا يتصدر للفتوى إلا أهلها.. أما السر في انجذاب العامة إلى الاستفتاء عن طريق الفضائيات فسببه طريقة الإبهار التي تقدمها هذه الوسيلة الإعلامية في عرض المسألة الدينية، ما يسهم في جذب المسلم البسيط ومنح شرعية الإفتاء لأشخاص بعينهم يلقون القبول لدى المشاهد.. وهذا لا يعني أن كل القائمين على الفتوى في هذه الفضائيات ليسوا أهلًا لها.

< وهل من علاج لهذا الإشكال؟

لابد من تحديد هيئة للإفتاء في كل بلد إسلامي تعلن وتنشر في أجهزة الإعلام وتلزم غير المتخصصين بعدم الجرأة على الإفتاء، كما ينبغي إلزام وسائل الإعلام بعدم الاستعانة إلا بمن هو مجاز في مجال الفتوى.

< أنجزت إحدى الجمعيات الإسلامية تفسيرًا للقرآن الكريم بلغة الإشارة للصم.. فماذا يحمل هذا المشروع من دلالات وما هي عوامل نجاحه؟

دلالاته أن هناك علماء لديهم حس ديني رفيع المستوى حريصون على ثقافة هذه الفئة في المجتمع لتزويدهم بتعاليم الإسلام الصحيحة حتى لا يحرم الصم والبكم من فهم كتاب الله وسنة رسوله والعمل بهما.. وندعو الله أن يجازي القائمين خيرًا على هذا العمل وكل عمل يصب في خدمة رسالة الإسلام.

< ما السر في عدم جواز ترجمة النص القرآني والسماح بترجمة تفسيره فقط؟

لا يجوز ترجمة النص القرآني؛ لأن الخطأ فيه سينسب إلى الله تعالى (حاشا لله)، إنما إن حدث خطأ في ترجمة التفسير فسينسب إلى صاحبه.

< أخيرًا.. هل تحتاج الثقافة الإسلامية إلى حركة تجديد وتنشيط أم تصحيح مفاهيم؟

الثقافة الإسلامية تحتاج حاليًا إلى الاثنين معًا، وتنشيطها يبدأ من خلال لقاءات عملية وتيسير المؤلفات للباحثين والباحثات، وتصحيح مناهجها من الأهمية بمكان لكل إنسان مسلم.