559
يناير-فبراير 2012
 

 محرر المحتوى

 

بُعد آخر وأفق آخر

إن الإنسان المسكين في هذا العصر،  11_opt.jpeg الذي فقد الكثير من مقاييس القيم، انقلبت نظرته وسلوكه وفكره تجاه رسولنا محمد  "صلى الله عليه وسلم"   رأسًا على عقب. هذا، علمًا بأنه من الخطأ الجسيم القيام بتقييمه  "صلى الله عليه وسلم"   بأي مقياس أو ميزان بشري. فهذا أمر مستحيل، ذلك لأنه كان شخصاً لا مثيل له، ولا نظير له، إذ زُوّد بروح وبقابليات متميزة فريدة، وأُرسِل إلى الدنيا لكي ينظمها من جديد، وليفتح للإنسانية آفاقاً جديدة مشرقة. لذا، فإن تقييمه أمر يخرج عن نطاق قدرتنا، وعن نطاق مقاييسنا وموازيننا، لذا فمهما وصفه الواصفون فلن يوفوه حقه، ومن هذا المنطلق أنشد حَسّان بن ثابت رضي الله عنه -وهو من أعرف الناس به- قائلاً:

 
فتح الله كولن

وما مدحت محمدًا بمقالتي

ولكن مُدحت مقالتي بمحمد

فذِكره السنيّ هو الذي يكسب الجمال للكلام الجميل وللكلمات الجميلة، وإلا فما من شيء في تعابيرنا يمكن أن يكسبه شيئاً. ويكرر الفرزدق المعنى نفسه، ولكن بتصرف قليل. ويستعمل مفكر العصر الكبير بديع الزمان النورسي المعنى نفسه عندما يتكلم عن القرآن الكريم:

وما مدحت القرآن بكلماتي

ولكن مدحت كلماتي بالقرآن (2)

كل هذا نتيجة الاشتراك في الشعور نفسه وفي الفكر نفسه، فكلهم استقوا إلهامهم من نفس المنبع، ومن نفس المصدر، فأشاروا إلى الأشياء نفسها بتعابير مختلفة، فما أجمله البعض فصّله البعض الآخر، بينما عبّر الآخرُ عنه بأبيات الشعر.. ولكنهم كانوا يحومون حول المحور نفسه، ويطوفون حول المركز نفسه.

والأمر نفسه وارد بالنسبة إلينا، فنحن نريد أن نتحدث، وأن نعبر عن النعمة الكبرى المتميزة المهداة إلينا عندما أصبحنا من أمته، وأن نهتف من أعماق قلوبنا بالحمد لله رب العالمين والشكر له، لأنه رآنا أهلًا لإسباغ نعمته الكبرى علينا بأن جعلنا من أمة المصطفى محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم. فهذا فضل إلهي، وهو يسبغ فضله ونعمته على من يشاء وبالمقدار الذي يشاء، إلا أن هذا الفضل لا يمكن أن يزنه ميزان أو يحدّه قياس.. فهو بحر واسع لا يحده ساحل، ولا ينتهي بشاطئ. إلا أن للمسألة وجهة أخرى لا أستطيع إهمالها ولا الهرب من السؤال الذي تطرحه: أنملك قلبًا لائقًا بسلطان القلوب هذا؟ هل هذا السلطان مستريح في مجلسه من القلوب؟ هل قلوبنا مفتوحة له على الدوام؟ أنلاحظه في قيامنا وقعودنا، في أكلنا وشربنا؟ أنلاحظ محمداً  "صلى الله عليه وسلم"   بقلوبنا في جميع حركاتنا وسكناتنا؟ أنسير في جميع شؤون حياتنا على الخط الذي رسمه لنا؟ فإن كان جوابنا بالإيجاب فما أسعدنا! لأن هذا يعني أن خيالنا وأحلامنا مزيّنة بجمال صورته.. وإننا بذلك نكون جماعة محمدية، نتخلق بأخلاقه ونتأدب بآدابه.. وإن أيّ جماعة تتزين بمثل زينة أخلاقه، تكون عنصر توازن في هذا العالم. وأنا أعتقد أن هناك سببًا واحدًا فقط في عدم وصولنا إلى مثل هذا التوازن، وهو أننا لم نرتق بعد إلى المستوى اللائق للروح المحمدية.

إنه الإنسان المصنوع على عين الله.. وإن مجرد مجيئه إلينا كإنسان يعد أكبر سعادة لنا، ذلك لأن الجنّات نفسها، والفردوس نفسه يتشرف بقدومه. وإن وصفه بما هو أهل له لهو من أكبر مهماتنا، وأشرف وظائفنا؛ فالإنسانية لا تبلغ مرتبة الكمال الحقة إلا بعد أن تفهمه بحق، وتتبع خطاه. وقد عقدتُ نيتي على تنفيذ هذا، إلا أنني سبق أن ذكرت أنني لست فارس هذا الميدان، ولكن أملي الوحيد هو محاولة إفهامه وشرح آفاقه.. وكل ما أملكه في هذا الخصوص هو نيتي الخالصة.

كنت قد وضعت نفسي منه منذ مدة طويلة موضع «قطمير»، وأسرّي عن نفسي بهذا، غير أنني بدأت أفقد هذا الأمل بمرور الزمن. ثم تمنيت لو أنني خُلقت شعرة ببدنه، فأكون بهذا القرب من مثل هذا الشخص الذي كان مظهراً لمثل هذه الدرجة من اللطف الإلهي الخاص. ومرّ زمن عليّ وأنا في مثل هذه الأمنية، إلا أنني كلما ازددت معرفة به، تأكدت أكثر بأنني لست أهلاً لتحقق هذه الأمنية، لذا فقد انحصرتْ كل رغبتي وأملي في أن أكون فرداً من أمته، ذلك لأنني آمل ألا يحرم الله تعالى فرداً من أمته من شفاعته، فيقول وهو يدخلني بينهم: «هم القوم لا يَشْقَى بهم جَليسُهم» (3).

أجل، فقد عقدت نيتي على محاولة القيام بمعرفة هذه الذات السامية، فما أسعدني إن استطعت قدح شرارة واحدة من حبه في قلب هذا الجيل! ولكن ما حيلتي، فمثلي في هذا مثل نملة نَوَتِ الحج، فهي تعلم أن أرجلها الضعيفة لا تقوى على قطع تلك المسافة الطويلة، ولكنها مسرورة لكونها ستموت وهي في الطريق إلى الحج.. فكل أملي أن أموت في هذا الدرب. 74531.png_opt.jpeg

إن الوظيفة الملقاة على عاتقنا هي تعيير أنفسنا حسب تردد موجات ذلك العالم. وعندما يتم هذا، يبدأ التخاطب الصريح، والتخاطب بالشفرات، وتصدر الأوامر من قِبله هو، إذ يتولّى القيادة والإدارة بنفسه. أما الجماعة التي يقودها، والمجتمع الذي يديره فمجتمع عميق المعاني، سامي الأغراض، تغبطه الملائكة، ويقصر عنه كل وصف وتعبير.

قد يبدو للبعض أن ما نقوله بعيد عن الموضوعية. وهذا أمر يؤسَف له، أيقال هذا، وكل يوم يَتلقّى بعض الشباب من ذوي الوجوه النيرة البشارات المعنوية من رسول الله  "صلى الله عليه وسلم"  ؟ وبعد قيام البعض بالاتصال به مباشرة دون أستار ولا حجب وفي عالم الشهادة نفسه؟

هل نملك قلبًا لائقًا بسلطان القلوب؟ وللأسف لم نرتق بعد إلى مستوى يناسب الروح المحمدية!

مفكر تركي - من كتاب النور الخالد للكاتب

 

 
الهوامش

1- المثل السائر لابن الأثير، 357/2؛ صبح الأعشى للقلقشندي، 231/2.

2- «المكتوبات» لبديع الزمان سعيد النورسي ص477.

3- البخاري- الدعوات، 66_ مسلم، الذكر، 25_ الترمذي، الدعوات، 129_ «المسند» للإمام أحمد 2/252-253.