559
يناير-فبراير 2012
 

 محرر المحتوى

 

سلسلة النهضة التعليمية 1- 4

ركائز وقيم النهضة التعليمية

دار الإعلام العربية

«بناء الفرد ومحو أميته»..  . _opt.jpeg هكذا باختصار شديد يُعرَّف التعليم، الذي يعتبر المحرك الأساسي لتطور الحضارات ومحور نماء المجتمعات، حيث تُقيّم نهضة المجتمعات وفق نسب المتعلمين فيها.. وقد اتفق الخبراء على وجود نوعين من التعليم: نظامي وهو الذي يتلقاه المتعلمون في المدرسة والمعاهد والجامعات، وغير نظامي وهو التعليم الحر وله برامج مخططة ومنظمة لكن إجراءاته أقل انضباطًا من النظامي.. وعندما تتساوى قيم البحث والاستفادة والنقل عند الإنسان لإنتاج شيء جديد يتقدم به خطوة على الآخرين، أو يسعى إلى تطوير ذاته بخبرات لم تكن موجودة من قبل، يكون بذلك على أولى درجات النهضة.. وهذا ما نتناوله عبر هذه السلسلة.. تعالوا نتعرف واقعها وركائزها الأساسية.

«العملية التعليمية في بدايتها ونهايتها عملية تربوية لها سبعة أعمدة رئيسة تتمثل في: المعلم، المنهج، الطالب، المبنى المدرسي، الإشراف التربوي، أسلوب التدريس، والأنشطة المصاحبة للعملية التعليمية؛ ليكتمل بناء الجسم مع العقل».. بهذه الكلمات بدأ د.محمود متولي، عميد كلية التربية السابق بجامعة بورسعيد، حديثه عن ركائز النهضة التعليمية في أي بلد، موضحًا أنها تستند إلى إخراج دارسين ودارسات قادرين على استيعاب ما درسوه من علوم ومعارف وخبرات، ومن ثم تلبية حاجات سوق العمل في ترجمةٍ عمليةٍ للتعايش مع الحياة، ويساعد كل ذلك على إحداث تناغم بين منظومة العلاقات التي تربط أفراد المجتمع والدولة بعضهم ببعض.

قيم أخلاقية

وتابع د.محمود موضحًا: إن النهضة التعليمية لا تتوافر إلا بوجود المعلم الكفء، الذي يلمّ بجميع عناصر المادة التي يُدرِّسها، وبجانب العلوم النظرية والعملية، ينبغي أن يتسم بالسمات الأخلاقية المثالية التي تقود بدورها إلى تنشئة طالب سوي لديه القدرة على الاعتماد على النفس، يتصف بالعطاء، والوفاء، والأمانة، وصلة الأرحام، والأخوة، والمواطنة، والإحساس بالمشاركة، وكلها قيم أخلاقية يجب غرسها في نفوس الأبناء؛ لتحقيق نهضة تعليمية، وذلك باعتبارها مكملًا لعملية التلقين والتنظيم.

وفسَّر سبب النهضة التعليمية التي تحققت في مصر في القرن الثامن عشر في عهد محمد علي باشا، قائلًا: ترجع إلى مجموعة عناصر، فقبل عصر محمد علي كان الجهل سائدًا، والخرافات مسيطرة، والمجتمع غير قادر على استيعاب الثقافة الخارجية، وعندما تولى محمد علي باشا الحكم في عام 1805، وعلى الرغم من أنه لم يكن متعلمًا، فإنه كان واعيًا، وأدرك أهمية التعليم في بناء الدولة الحديثة، وآمن بضرورة أن يكون هناك تعليم ديني وآخر مدني، فأرسل العديد من البعثات التعليمية إلى الخارج، وأنشأ المزيد من الكتاتيب، ورصد كثيرًا من الموارد لبناء ثقافة تعليمية للمجتمع، ومن حسن حظه أنه استعان بمجموعة من العلماء لمساندته في تحقيق هذه النهضة، كان من ضمنهم الشيخ الأزهري حسن العطار الذي مزج في تعليمه بين الحضارتين الإسلامية والغربية، وآمن بضرورة التلاحم بين الثقافات وليس تصادمها، فكان الجمع بين التعليم المدني والديني كفيلًا ببناء مجتمع جديد. . _opt.jpg

وأضاف: إن البعثات لم تكن لدراسة العلوم النظرية فقط، بل تفرعت في مختلف المجالات من الهندسة والصناعة والفنون إلى جانب تسخير مجموعة من الخبراء لتعليم المصريين كثيرًا من الصناعات لتوفير الكفاءات والأيدي الماهرة، كل ذلك دون إغفال لافتتاح المدارس ووضع المناهج التي تتسم بالذكاء والاستنارة وتحفز على العلم وتشجع العلماء، ووصل الأمر إلى أنه كان يتم عزل كل من يأتي من البعثات الخارجية عن الاختلاط بالناس حتى ينتهي من تدوين كل ما تلقاه من علوم ومعارف؛ كي يستفيد منها غيره.

مواجهة فعلية

أما د.محمود كمال الناقة، رئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية للمناهج وطرق التدريس، فأوضح أن النهضة التعليمية تعبير إنشائي وعام، معناه الحرفي التحرك، كأن يقوم شخص من جلسته على اعتبار أنه كان ملتصقًا بالأرض، فهو في حالته الأولى كسلان وغير متجدد، ونحن نريد تحريكه لتغيير وضعه وحالته.

وأشار إلى أن المعنى الذي نريد تحقيقه للنهضة التعليمية هو المعنى الذي يعمل على رقي العلم وتحضر مكونات العملية التعليمية، والتي على رأسها المعلم؛ لذلك ينبغي أن نعرف جيدًا كيفية إعداده وتدريبه، والعمل على رعايته الأدبية والمادية، والرفع من شأنه في المجتمع، وهو أيضًا عليه دور أن يرتقي بشأن ذاته وتلاميذه.

وتابع: إن المناهج أيضًا مكون أساسي من مكونات العملية التعليمية، ولابد أن تكون معاصرة وحديثة بحيث لا يتعداها التاريخ ويتخطاها العلم، ونحولها من نظرية الحفظ والاستسهال إلى النشاط والممارسة والتجريب والتطوير، إلى جانب «المدرسة» بيت العلم الأول، وأساس تربية أبنائنا، فلابد أن تكون مدعمة بأحدث الأساليب العلمية والتقنية الحديثة من أنشطة وإلكترونيات جديدة ومكتبات رقمية حديثة، ووسائط متعددة وأسطوانات مدمجة وشبكة دولية متصلة، ومعاونين إلكترونيين، إضافة إلى توفير سبل الراحة كافة، وإن كانت الممارسة بالمواجهة الفعلية هي أساس النهضة التعليمية الحقيقية وليس عبر وسائل تكميلية.

ورأى «الناقة» أنه قبل كل ذلك لابد أن يشمل التعليم تطوير القوانين حتى تواكب السياسة التعليمية المعاصرة، أيضًا تغيير الامتحانات ونظمها ومقاييسها، وتطوير فكرة المجتمع عن التعليم.. وضرورة تفاعل كل هذه المكونات مع بعضها البعض حتى تساعد على تجويد العملية التعليمية لينعكس ذلك على الطالب ذاته، فالنهضة تتحقق بشكل واقعي عندما يتعلم الطالب شيئًا جديدًا يحتفظ به ويستدعيه، ويستخدمه ويوظفه ويتباهى به أيضًا، وليس مجرد الحصول على درجات وهو من الداخل كالصندوق الفارغ.

وعما إذا كانت «ميكنة التعليم» دليلا على نهضته قال: إن ميكنة التعليم ليس هي الأساس، إنما هي ضرورة تقتضيها التغيرات العلمية والحياتية والتكنولوجية، فنحن الآن في حاجة إلى التعلم عن بعد وعن قرب، ومعامل افتراضية كما لو كانت حقًّا أمامنا، ووسائط تثري العملية التعليمية، وتحدث المعرفة الإنسانية بشكل يجعلها مشوقة وجاذبة.

وأضاف أنه على الرغم من أن الإمارات لديها نهضة تعليمية حقيقة، وتتمثل أبرز علاماتها في المناهج المتطورة، وجودة التعليم وخاصة الجامعي في مختلف جامعاتها كالشارقة و«أبوظبي»، فإنه يُؤخذ على هذه النهضة أن التعليم الجامعي باللغة الأجنبية، وفي هذه الحالة تكون النهضة مجرد تقليد وليس استفادة.  . _opt.jpg

حالات فردية

بدوره، أكد د.حمدي عبدالعظيم، الرئيس السابق لأكاديمية السادات للعلوم الإدارية، أن النهضة تعني تطوير العملية التعليمة لخروجها من الأسلوب التقليدي النمطي إلى الحديث، ومن عباءة الأسلوب التلقائي المعتمد على الحفظ والتلقين، إلى الاستيعاب والفهم، وذلك من خلال تطوير المناهج وطرق التدريس ذاتها، والمراجع المستخدمة في النظم التعليمية بحيث تعتمد على وسائل إيضاحية فعالة، مشيرًا إلى أن التطور التكنولوجي لابد أن يواكب التطورات التعليمية ليتغير بتغير الأحداث.

وأضاف: إن المعلم له دور مهم في إحداث النهضة من خلال تجنب الأشياء التقليدية المتوارثة التي لا تضيف جديدًا، فهو المسؤول الأول عن تلك النهضة التي تتحقق بإخلاصه في العلم، وتدريس واكتساب المعارف الجديدة، وقدرته على التدرب والتدريب، والسفر للخارج من خلال البعثات الخارجية والاحتكاك مع الأجانب والاطلاع على تجارب الدول المتقدمة، ونقلها على مستوى أوسع، وأن يمتلك طرقًا تتناسب مع جميع العقول في كل المراحل التعليمية، وعلى صعيد آخر الاهتمام بالظروف الاجتماعية والمادية للمعلم حتى يعطي بضمير وحب، ففاقد الشيء لا يعطيه، فماذا يمنح إذا كان لا يملك؟!

ورأى عبدالعظيم أن النهضة في الوطن العربي مجرد حالات فردية وليست نهضة شاملة، بل تحدث في بعض الدول والجامعات كالكويت والإمارات وقطر من خلال اتباع أساليب التعليم الإلكتروني والتعليم عن بعد، والسير على النهج الغربي في المناهج.