559
يناير-فبراير 2012
 

 محرر المحتوى

 

عمائر ومنشآت الرفق بالحيوان

من شواهد عظمة الحضارة الإسلامية

أحمـد أبوزيد

لم تهتم حضارة من حضارات العالم عبر التاريخ بالحيوان، أو تحرص على رعايته والرفق به، كما اهتمت حضارة الإسلام، فقد تعددت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في هذا الشأن، وبنى عليها الفقهاء أحكامًا شرعية وآدابًا التزم بها المسلمون في الحواضر والبوادي، ونشأت لها عمائر ومنشآت لرعاية الحيوان والرفق به، صارت عبر العصور من شواهد العظمة والريادة والتحضر في الحضارة الإسلامية.

وضع الإسلام، منذ أربعة عشر قرنًا، مبدأ الرفق بالحيوان، خلافًا لما يظنه البعض من أنه مبدأ أوروبي النشأة حديث الظهور، وبنى المسلمون لذلك عمائر لرعاية الحيوان، انتشرت على طرق الحج والقوافل في القرون الوسطى، ومازال بعضها قائمًا حتى اليوم في عديد من المدن العربية والإسلامية، وخاصة ما بني منها في العصرين المملوكي والعثماني، وهي عمائر تهتم بشؤون الحيوانات، من حيث سقايتها وإيوائها وإطعامها، وتمثلت في أحواض سقي الدواب والاسطبلات، وما كانت تضمه الوكالات والخانات التجارية من أماكن مخصصة لإيواء الحيوانات وإطعامها.  8_opt.jpeg

الإسلام والرفق بالحيوان

فالحضارة الإسلامية كان لها السبق في الرفق بالحيوان، باعتبار ذلك تعبدًا لله وطاعة بما أمر واجتنابًا لما نهى، فالرحمة بالحيوان قد تدخل صاحبها الجنة, والقسوة عليه قد تدخله النار، والنبي محمد "صلى الله عليه وسلم"   أولُ من دعا إلى الشفقة بالحيوان والرفق به ومساعدته في مطعمه ومشربه وفي صحته ومرضه، بل وأثناء ذبحه.

وهذا الدين الحنيف هو الذي ضرب للعالمين المثل الأعلى في الرحمة والرفق بالحيوان، فحرم القسوة عليه وإرهاقه بالأثقال والأعمال الشاقة، وحرَّم التلهي بقتل الحيوان، كالصيد للتسلية لا للمنفعة، ونهى عن كي الحيوانات بالنار في وجوهها للوسم، أو تحريش بعضها على بعض بقصد اللهو أو التربُّح المالي، وأنكر العبث بأعشاش الطيور وإحراق قرى النمل.

ولعلّ القرآن الكريم حين يصف أصنافًا من الحيوانات بالنعم والأنعام، فإنه يكرّم هذه المخلوقات، كما تسمّت سور عديدة بأسماء عدد من الحيوانات، كسورة البقرة والأنعام والنحل والنمل والفيل، وذكر القرآن الكريم عديدًا من الحيوانات والطيور وربطها بالإنسان عامة، وبكثير من الأنبياء والصالحين خاصة، واستعملها القرآن الكريم كمضرب للأمثال، مثل: ناقة صالح وحوت يونس وغنم داود وهدهد ونمل سليمان وطير إبراهيم، كما ضُرب بالحمار مع الرجل الصالح دليلًا على «البعث»، وضُرب المثل بالكلب في مواقف، وبالذباب في مواقف، وبالطير في مواقف أخرى.

وما قرره علماء الأمة وفقهاؤها من أحكام كفيلة برعاية الحيوان تبين وجوه الرحمة بذلك المخلوق، بدءًا من حرمة إجاعته وتعريضه للهزال والضعف، والتلهي به في الصيد، وطول المكوث على ظهره، وتحميله أكثر من طاقته، إلى رحمته قبل ذبحه إن كان مما يؤكل لحمه.

حقوق الحيوان

فالإسلام اهتم بالحيوانات ونظم لها حقوقًا قبل أن تقرها أو تعرفها الشعوب الأخرى، وقرر علماء المسلمين أن النفقة على الحيوان واجبة على مالكه، فإن امتنع أُجبر على بيعه، أو الإنفاق عليه، أو تركه إلى مكان يجد فيه رزقه ومأمنه، أو ذبحه إن كان مما يؤكل.  image-55771_opt.jpeg

وقرر بعض الفقهاء أنه إذا لجأت هرة عمياء إلى بيت شخص وجبت نفقتها عليه، حيث لم تقدر على الانصراف، بل كانت الدولة الإسلامية ترى أن من واجبها متابعة رفق الناس بالحيوانات

فقد ورد عن فضائل عمر بن عبدالعزيز،  "رضي الله عنه"  ، أنه كتب إلى صاحب السكك (أي رئيس أو مدير إدارة المرور والسير) ألَّا يسمحوا لأحد بإلجام دابته بلجام ثقيل، ولا بنخسها بمقرعة في أسفلها حديدة، وكتب أيضا إلى عامله بمصر: «بلغني أن بمصر إبلًا نقّالات يُحمل على البعير منها ألف رطل، فإذا أتاك كتابي هذا، فلا أعرفن أنه يُحمل على البعير أكثر من ستمائة رطل»، وأمر المحتسب (الشرطي) أن يمنع تحميل الدواب فوق ما تطيق، أو تعذيبها وضربها أثناء السير، ولديه الصلاحية لتأديب ومعاقبة من يراه يفعل ذلك.

ونقل الدكتور مصطفى السباعي طرفًا مما قرّره الفقهاء المسلمون من أحكام الرحمة بالحيوان ما لا يخطر بالبال ومنها ما رتبه الفقهاء من نتائج حقوقية في حق من يستأجر حيوانًا للحمل أو الركوب فحمّله أكثر مما يستطيع، وألزموه بضمان ثمنه لمالكه إذا نفق، ولم يعاقبوا الحيوان بما جنى على غيره، وإنما عاقبوا صاحبه إذا فرّط في حفظه وربطه، ومنعوا أن يؤجّر حيوان لشخص عرف بقسوته على الحيوان، خشية أن يجور بقسوته وغلظته على هذا المخلوق.

عمائر الحيوانات

وإذا نظرنا إلى العمائر والمنشآت الخاصة برعاية الحيوان والرفق به في الحضارة الإسلامية نجد أن هذه الحضارة كان لها السبق في إنشاء عديد من العمائر التي تأوي الحيوانات، وتوفر لها مياه الشرب في السفر والحضر، وأروع الأمثلة على هذه العمائر أحواض سقي الدواب.

فإلى جانب الأسبلة التي توفر مياه الشرب للإنسان، اشتهرت الحضارة الإسلامية بهذه العمائر المائية التي أطلق عليها اسم «أحواض المياه»، والتي قصد بها توفير ماء الشرب للدواب والأنعام، وذلك تطبيقًا لآداب الإسلام التي تحض على الرحمة بالحيوان والرأفة به، ومعروف أن الرحلات والأسفار في العصور الوسطى وما قبلها كانت تعتمد على الدواب، وكان لابد من توافر مثل هذه المنشآت التي توفر ماء الشرب لها.

وهذه الأحواض خصصت لها أوقاف حبسها الخيرون طلبا لحسن الثواب، وكان يراعى فيها أن تكون قرب أطراف المدن وأبوابها، حيث تكثر حركة الخارجين والداخلين من المسافرين والتجار.

وقد عرفت أحواض سقي الدواب بطرزها المختلفة في مصر وبلاد الشام، وفي مشرق العالم الإسلامي ومغربه، وتحتفظ بعض المدن الأناضولية بنماذج من الأحواض السلجوقية التي مازالت قائمة حتى اليوم، وفي المغرب كانت الأحواض تلحق بالمساجد، وتكون منفصلة عنها، وكان يصل إليها الماء الذي يفور من أحواض الأسبلة أو السقايات عن طريق أقصاب من الفخار، حيث يصب في أحواض سقاية الدواب، التي تشكلت معماريًّا من دخلات عميقة صغيرة تقع في أسفل صدر حائط السقاية، وفي أسفل تلك الدخلات تقع أحواض عميقة في أرضية السقاية ليسهل الشرب منها.

أحواض القاهرة

وكما يؤكد الباحث الأثري الدكتور خالد عزب فإن أحواض سقي الدواب انتشرت في مصر وبلاد الشام في العصر الفاطمي والمملوكي والعثماني انتشارًا كبيرًا، وكانت تقام على الطرق الرئيسة للمدن، وفي الأسواق المزدحمة، وعلى طرق الحج وطرق القوافل إلى الشام والمغرب، وكانت تقام بمفردها أو ملحقة بالخانات التجارية.

وداخل القاهرة وجدت الأحواض، إما منفردة أو ملحقة بالعمائر الدينية والمدنية والتجارية والحربية، حيث اتخذت موضعًا متميزًا في العمائر بالواجهات الرئيسة لها، ليسهل شرب الدواب منها، ويمكن تشبيه أحواض إرواء الدواب اليوم بمحطات الوقود التي تزود السيارات بالوقود وانتشارها في المدن وعلى الطرق، مما يبين مدى أهميتها.

ومن هذه الأحواض حوض قجماس الإسحاقي الملحق بمجموعته بشارع الدرب الأحمر، وحوض السلطان قايتباي بقرافة صحراء المماليك، ويوجد حوضان من العصر العثماني بنيا بالأحجار الرملية هما حوض إبراهيم آغا بباب الوزير، وحوض عبدالرحمن كتخدا بالحطابة.

عمارة الأحواض

ويتضح من الأحواض القائمة الآن في القاهرة، ومن الوصف الوثائقي للأحواض المندرسة، أن التكوين المعماري لها لا يخرج عن مساحة مستطيلة أو مربعة الشكل، وهي عبارة عن حجرة إيوان أو دخلة ذات ثلاثة جدران (صدر وجانبان)، والجانب الرابع مفتوح على الطريق، بأشكال وطرز مختلفة لتسهيل دخول الدواب للشرب من الأحواض.

وكان صدر الحوض والضلعان الجانبيان يحتويان في أحيان كثيرة على عدد من الدخلات، ويختلف عدد هذه الدخلات من حوض إلى آخر حسب مساحته، فهي على سبيل المثال، خمس دخلات بصدر حوض قايتباي بالأزهر، وهي أربع دخلات بحوض عبدالرحمن كتخدا بالحطابة، وهي ثلاث في حوض قجماس.

وكان يوجد على جانبي هذه الدخلات أعمدة بنيت من نوع أحجار بناء الدخلات، وأحيانًا كان يعلو الحوض سواء بالصدر أو الضلعين الجانبيين، شريط كتابي، تتخلله أحيانًا رنوك تحوي نصوصًا إنشائية ودعائية، مثل حوض أم السلطان شعبان، وقد نص كتاب وقف الأمير عبدالرحمن كتخدا رقم 940 المحفوظ في وزارة الأوقاف المصرية رقم 940 على أن حوضه في الأزبكية كان بصدره أربعة ألواح من الرخام مكتوب عليها تاريخ محلى بالذهب، وكانت هذه الأحواض حجرية في غالبيتها، والقليل منها كان رخاميًّا، وكانت في معظمها مستطيلة الشكل، والقليل منها بيضاوي أو دائري.

تعدد الأحواض

ويختلف عدد هذه الأحواض من حوض لآخر، فمثلًا يوجد حوض واحد في حوض شرف الدين يحيى، وحوضان في حوض خجا بردي في ميدان الرميلة، وثلاثة في حوض دولات باي، وأربعة في حوض الوزير مصطفى في سوق السلاح، وخمسة في حوض الأمير رجب ببركة الحاج.

ومـعظم أحـواض الـدواب كانت مغطاة بأسقف خشبية والقليل بقباب وأقبية، ولا يوجـد في الـوثائق ما يشـير بوضـوح إلى أن بعـض الأحـواض كانت بلا سقـف، وقد زينت بعض الأسقف بنقوش ذات ألوان زيتية مختلفة، وذهبت وحليت باللازورد، مثل أسقف الإيوانات في المدارس وغيرها، وبعضها مغشاة من باطنها بحشوات خشبية مجمعة على هيئة أشكال هندسية ونباتية رائعة التكوين، كما في سقف حوض أم سلطان شعبان، وحوض السلطان قايتباي وحوض أزبك اليوسفي.

تزويد الأحواض بالماء

وكل أحواض سقاية الدواب كانت تستمد ماءها عن طريق السواقي الموضوعة على الآبار، وكانت الساقية ترفع الماء إلى حامل في مستوى علوي، وتتفرع منه مجاري مائية، سواء أكانت حجرًا أو أقصابًا فخارية أو رصاصًا، تنقل الماء إلى أحواض سقي الدواب، ومن أمثلتها الباقية ساقية السلطان قايتباي بالصحراء ومجاريها المائية المتفرعة منها، ومنها مجرى يصل إلى الحوض.

وقد عمل الخيرون ممن أنشأوا هذه الأحواض على تعيين خادم للحوض أو قيم أو فراش، لتمكين الدواب من الشرب بسهولة، ومساعدة الناس للاستفادة من ماء الحوض، كما أوكل إليه تنظيف الحوض وكنسه وغسله، وتجفيف أرضيته، والرش أمامه، والعمل على ملء الحوض بالماء بصفة دائمة، وكان العمل يبدأ من مشرق الشمس إلى آخر النهار أو أذان العشاء.

أما الفقراء فكانوا يضعون أمام بيوتهم ما يسمى «ميلغة الكلب»، وهو عبارة عن حجر صغير مجوف يُمْلأ بالماء، حتى تشرب منه الكلاب التي لا تستطيع الشرب من أحواض الدواب الكبيرة، ومازالت هذه الأحجار موجودة أمام بيوت البعض خاصة في الأحياء الشعبية بالقاهرة.

 
باحث دراسات إسلامية