559
يناير-فبراير 2012
 

 محرر المحتوى

 

الحيل في الشريعة الإسلامية

د. صالح سالم النهام

لقد اعتنى العلماء قديمًا وحديثًا بموضوع الحيل، فمنهم من أفرد «الحيل» بمؤلف مستقل، ومنهم من جعله فصلًا أو بابًا في تأليفه، فهذا الإمام البخاري قد أفرد كتابًا في صحيحه وترجم له باسم «كتاب الحيل»، وهذا كتاب «بيان الدليل على بطلان التحليل» لشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أوسع وأجمع ما كتب في الحيل، وقد يفهم من عنوانه أنه خاص بالكلام عن بطلان التحليل، إلا أن ابن تيمية جعل هذه المسألة مدخلًا للكلام على الحيل، وربما اختارها لأنها أشهر الحيل، وكذلك كتاب «إعلام الموقعين عن رب العالمين» للإمام ابن القيم، الذي أفرد في كتابه الفريد قسمًا كبيرًا في الكلام عن الحيل، ثم كتاب الموافقات للإمام الشاطبي، الذي أفرد قسمًا من كتابه للكلام عن الحيل، وغيرها كثير.

وفي المقابل هناك كتب جمعت الحيل والمخارج من المآزق التي يقع فيها الإنسان، وهذه الكتب كانت موضع نقد كبير من العلماء، منها: كتاب المخارج في الحيل للإمام محمد بن الحسن الشيباني الحنفي، وقد حصل خلاف في نسبة الكتاب لمحمد بن الحسن، فقد روى الذهبي في ترجمته لمحمد بن الحسن من طريق الطحاوي عن أحمد بن أبي عمران عن محمد بن سماعة أنه قال: سمعت محمد بن الحسن يقول: هذا الكتاب (يعني كتاب الحيل) ليس من كتبنا، إنما ألقي فيها، كذلك لم يذكر أحد من أصحابه أو رواة مؤلفاته كتابًا له من هذا القبيل.

المسألة الأولى: تعريف الحيل لغةً واصطلاحًا

أولًا، الحيل لغةً(1): هي جمع حيلة من التحول؛ تقول: حال يحول، فهي من ذوات الواو، وإنما انقلبت الواو ياءً لانكسارِ ما قبلها، ومعناها في الأصل: الحذق، وجودة النظر، والقدرة على التصرف في الأمور، والتخلص من المعضلات(2).

ثانيًا، الحيل اصطلاحًا(3):

لقد استعمل العلماء الحيلة بمعنى أخص من معناها في اللغة، ومن ذلك ما يلـي: قال ابن القيم: «الحيلة هي نوع مخصوص من التصرف والعمل، الذي يتحول به فاعله من حال إلى حال، ثم غلب عليها بالعرف استعمالها في سلوك الطرق الخفية التي يتوصل بها الرجل إلى حصول غرضه، بحيث لا يتفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة؛ فهذا أخص من موضوعها في أصل اللغة، وسواء كان المقصود أمرًا جائزًا أو محرمًا، وأخص من هذا استعمالها في التوصل إلى الغرض الممنوع منه شرعًا، أو عقلًا، أو عادة، فهذا هو الغالب عليها في عرف الناس؛ فإنهم يقولون: فلان من أرباب الحيل، ولا تعاملوه فإنه متحيل، وفلان يعلم الناس الحيل، وهذا من استعمال المطلق في بعض أنواعه كالدابة والحيوان وغيرهما»(4).

ويندرج في هذا المعنى للحيل صور مأذون فيها، لكنها اختصت بأسماء أخرى تمييزًا لها عن الحيل الممنوعة كالتدبير، ومثاله: من هوى امرأة فسعى لتزوجها لتحل له مخالطتها، والحرص، ومثاله: ركوع أبي بكرة  "رضي الله عنه"   لما دخل المسجد فوجد رسول الله  "صلى الله عليه وسلم"   راكعًا، وخشي فوْت الركعة، وأحب أن يكون في الصف الأول تحصيلًا لفضله، ركع ودب راكعًا حتى وصل الصف الأول، فقال له رسول الله  "صلى الله عليه وسلم"  : «زادك الله حرصًا، ولا تعد»(5). والورع، ومثاله: أن يتخذ من يوقظه إلى صلاة الصبح إذا خشي أن يغلبه النوم، كما فعله رسول الله  "صلى الله عليه وسلم"   في إحدى الغزوات في قضية بلال حين غلبته عيناه، كما في حديث الموطأ(6).

وقد عبَّر الإمام الشاطبي عن الحيلة بقوله: «إن حقيقتها المشهورة: تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي، وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر»(7)، ثم قال: «فمآل العمل فيها خرم قواعد الشريعة في الواقع»(8)، وقد ذكر في المسألة العاشرة من مقاصد المكلف- قبل ذلك- أن الحيل بهذا المعنى مشتملة على مقدمتين(9):

الأولى: قلب أحكام الأفعال بعضها إلى بعض في ظاهر الأمر.

والثانية: جعل الأفعال المقصود بها في الشرع معاني وسائل إلى قلب تلك الأحكام.

وقريب من هذا ما قاله الطاهر بن عاشور حين عرَّف الحيل بأنها: «إبراز عمل ممنوع شرعًا في صورة عمل جائز»(10).

إلا أن نظرة الفقهاء إلى معنى الحيل قد تعددت بناء على مقصد كل مكلف من فعلها، ولأهمية ذلك أسوق إليك أهم المعاني التي احتوت التعريف بالحيل وهي على النحو التالي(11):

المعنى الأول: الوصول إلى المقاصد الشرعية بالوسائل المشروعة، مثل: النكاح والبيع والرخص الفقهية، والحنفية تُرجح هذا المعنى، وهو قريب من المعنى اللغوي، وهذا يتضمن معنى الخروج من المضايق بوجه شرعي؛ ليكون مخلصًا شرعيًّا لمن ابتلي بحادثة دينية على اعتبارها نوعًا من الحذق وجودة النظر.

المعنى الثاني: الوصول إلى المقاصد غير المشروعة بالوسائل غير المشروعة، مثل: عدم تأدية الصلوات المكتوبة بشرب الخمر قبل أوقاتها.

المعنى الثالث: الوصول إلى المقاصد المشروعة بالوسائل غير المشروعة، مثل: سرقة أو غصب سكين الغير واستعماله لذبح الأضحية.

المعنى الرابع: الوصول إلى المقاصد غير المشروعة بالوسائل المشروعة، مثل: بيع العينة، والتحليل، والسفر أيام رمضان؛ للهروب من الصيام.

فإذا لاحظنا المعاني السابقة للحيل يتبين أنها واضحةٌ معانيها، بينةٌ أحكامها؛ فالمعنى الأول: جائز، والمعنى الثاني: لا يجوز، والمعنى الثالث: قسم منه يجوز، والآخر خلافه، بينما المعنى الرابع: وقع فيه خلاف بين الفقهاء، من جهة النفاذ قضاء باعتبار الوقوف على ظاهر الأمر الذي يطابق الشرع من حيث الشكل والمعاملة، أو عدمه، على اعتبار نية الشخص الذي يريد أن يصل إلى مقاصده غير الشرعية، مستخدمًا المعاملات الفقهية، إذ نلتمس فيها نية مضمرة مختفية تحت ستار المعاملة الشرعية والمراوغة بغطاء القواعد الفقهية، مثل: بيع العينة وما شابهها من الحيل(12).

ويفهم من ذلك أن الحيل وسائل تتخذ لتحقيق غرض ما، قد تؤول هذه الوسائل إلى أمر محرَّم، وقد تؤول إلى أمر جائز، يحقق مقصدًا أو يهدمه. وحكم الحيلة يأخذ حكم مقصدها ووسيلتها، لكون الأحكام الشرعية مقترنة بمصالح العباد في العاجل والآجل اقتران الوسيلة بالمقصد، ويؤكد ذلك ما قرره الشاطبي بقوله: «لما ثبت أن الأحكام شُرعت لمصالح العباد كانت الأعمال معتبرة بذلك؛ لأنه مقصود الشارع فيها كما تبين، فإذا كان الأمر في ظاهره وباطنه على أصل المشروعية فلا إشكال، وإن كان الظاهر موافقًا والمصلحة مخالفة؛ فالفعل غير صحيح وغير مشروع؛ لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لنفسها، وإنما قُصد بها أمورٌ أُخر هي معانيها؛ وهي المصالح التي شرعت لأجلها؛ فالذي عُمِل من ذلك على غير هذا الوضع فليس على وضع المشروعات»(13).

ومن هنا يتضح أن الحيل غير الشرعية هي إحدى الوسائل التي تؤدي إلى المناقضة بين مقاصد المكلف ومقاصد الشارع؛ لأن باعث المكلف أو قصده يخالف به مقاصد الشرع، أما إذا كان فعله لا يناقض الشريعة ويحقق مقاصدها فهو لاشك جائز؛ لعدم وجود خلاف بين مقاصد المكلف ومقاصد الشارع.. ومما يشهد لذلك ما ذكره القرطبي عندما علَّق على قصة نبي الله سليمان - عليه السلام- مع المرأتين المتنازعتين في الولد؛ وكيف اهتدى إلى معرفة المحقة منهما، وأصل هذه القصة ما رواه أبو هريرة  "رضي الله عنه"   أنه قال: «بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنت، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود - عليهما السلام- فأخبرتاه؛ فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما؛ فقالت الصغرى: لا، -يرحمك الله – هو ابنها! فقضى به للصغرى»(14)، حيث علق القرطبي فقال: «وفيه من الفقه استعمال الحكام الحيل التي تستخرج بها الحقوق؛ وذلك يكون عن قوة الذكاء والفطنة وممارسة أحوال الخلق»(15).

المسألة الثانية: ظهور الحيل وأسبابها

أما عن وقت ظهور الحيل وأسبابها، فإليك ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية أولًا، ثم قول تلميذه ابن القيم، وذلك فيما يلي(16).

أما عن وقت ظهورها، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «أما الإفتاء بها وتعليمها للناس، وإنفاذها في الحكم، واعتقاد جوازها؛ فأول ما حدث في الإسلام في أواخر عصر صغار التابعين بعد المائة الأولى بسنين كثيرة، وليس فيها ولله الحمد حيلة واحدة تؤثر عن أصحاب رسول الله  "صلى الله عليه وسلم"  ، بل المستفيض عن الصحابة أنهم كانوا إذا سئلوا عن فعل شيء من ذلك أعظموه وزجروا عنه»(17)، ثم ذكر سببين للوقوع في الحيل(18)، فقال: إما ذنوب وقعوا فيها فجوزوا عليها بتضييق أمورهم، فلا يستطيع دفع هذا الضيق إلا بالحيل، كما جرى لأصحاب السبت من اليهود، وإما مبالغة في التشدد؛ حيث ضيقوا على أنفسهم أمورًا وسعها الشرع فاضطرهم هذا إلى الاستحلال بالحيل.

وأما ابن القيم فقد ذكر: «أن أكثرها مِن وضع ورَّاقي بغداد، وقد سبقه لهذا الحكم الجوزجاني عندما أنكر نسبة كتاب الحيل لمحمد بن الحسن حيث قال: «من قال إن محمدًا- رحمه الله- صنف كتابًا في الحيل فلا تصدقه، وما في أيدي الناس فإنما جمعه وراقو بغداد»(19).

وقد قيل: إن الذي يظهر في هذا الموضوع: أن بعض علماء الحنفية هم أول من تكلم بالحيل(20)، ولكن في البدايات لم يكن فيها التوسع الذي عرف لدى المتأخرين(21)، مع العلم أن الحنفية كانوا يستعملون الحيل على أنها مخارج من الضيق والحرج بوجه شرعي لا أكثر(22).

المسألة الثالثة: أدلة الحيل الجائزة

أولا: القرآن الكريم

قال الله تعالى: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا}(النساء: 98)، ووجه الشاهد أنه أراد بالحيلة التحيل على التخلص من الكفار، وهذه حيلة محمودة يثاب عليها من عملها.

ثانيًا: السنة النبوية

فعن أبي هريرة  "رضي الله عنه"   قال: قال رجل: يا رسول الله، إن لي جارًا يؤذيني، فقال: «انطلق فأخرج متاعك إلى الطريق، فانطلق فأخرج متاعه، فاجتمع الناس عليه، فقالوا: ما شأنك؟ قال: لي جار يؤذيني، فذكرت للنبي  "صلى الله عليه وسلم"  ، فقال: انطلق فأخرج متاعك إلى الطريق، فجعلوا يقولون: اللهم العنه، اللهم أخزه، فبلغه، فأتاه فقال: ارجع إلى منزلك، فوالله لا أؤذيك » (23). وفى الحديث دلالة على جواز التحيل لمن كان مظلومًا بحمل الناس على مسبة ظالمه والدعاء عليه؛ لعل ذلك يروعه ويمنعه من الإقامة على ظلمه.

فالمقصود أن صالح الوسيلة مباح، وفي إفضائها إليه نوع خفاء لعدم التفات الذهن إليها، فانطبق عليها حد الحيلة، وليس فيها ضياع حق لله أو للعبد، فالحيل من هذا القبيل مباحة شرعًا بخلاف التي يستحل بها محارم الله من إبطال الحقوق فلا تجوز.

ثالثًا: فعل الصحابة

كان الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان  "رضي الله عنه"  ، أعلم الناس بالشر والفتن، وكان الناس يسألون رسول الله  "صلى الله عليه وسلم"   عن الخير، وكان هو يسأله عن الشر مخافة أن يدركه(24).

فحذيفة بن اليمان  "رضي الله عنه"   تعلم طرق الشر الظاهرة والخفية، التي يُتوصَل بها إلى خِدَاعه والمكر به، فيحترز منها، ولا يفعلها، ولا يدل عليها(25).

رابعًا: القياس

إن الحيل الممنوعة شرعًا هي التي تؤول إلى كل ما يهدم الأصول الشرعية، ويناقض المصالح الشرعية، كالتي تقوم على المخادعة والتلبيس والتدليس، وما دام أن هناك حيلًا لا تهدم الأصول الشرعية، ولا تناقض المصالح الشرعية، كإجازة الشريعة للمكره على الكفر أن يتلفظ بكلمة الكفر إحرازًا لدمه، فهو نطق بكلمة من غير اعتقاد معناها توصلًا إلى غرض دنيوي، وهو إحراز الدم، فأجريت عليه أحكام الإسلام في الظاهر، وهذا أمر جائز شرعًا.

المسألة الرابعة: أدلة الحيل المحرمة

أولًا: القرآن الكريم

قال الله تعالى لما ذم اليهود على تحايلهم على الحرام: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}(البقرة: 65).

ووجه الشاهد أن الله سبحانه حرم على اليهود العمل يوم السبت شيئًا، فكان بعضهم يحفر الحفيرة، ويجعل لها نهرًا إلى البحر فإذا كان يوم السبت فتح النهر فأقبل الموج بالحيتان يضربها حتى يلقيها في الحفيرة، فإذا كان يوم الأحد، جاءوا فأخذوا ما تجمع في الحفيرة من حيتان وقالوا: إنما صدناه يوم الأحد، فعوقبوا بالمسخ قردة؛ لأنهم استحلوا الحرام بالحيلة(26).

ثانيًا: السنة النبوية

قال رسول الله  "صلى الله عليه وسلم"  : «قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها»(27)، ووجه الدلالة أنهم احتالوا على تحريم أكل الشحوم بأكل أثمانها(28).

ولقد حذر النبي  "صلى الله عليه وسلم"   من ارتكاب الحيل، كما فعلته بنو إسرائيل فقال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل»(29).

ثالثًا: فتاوى الصحابة

عن أنس بن مالك وعبد الله بن عباس- رضي الله عنهم- أنهما سئلا عن العينة، فقالا: إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله، فسميا ذلك خداعًا (30)، وفي قول رسول الله  "صلى الله عليه وسلم"  : «إنما الأعمال بالنيات»، دلالة واضحة على أن الأعمال تابعة لمقاصدها ونياتها، وأنه ليس للعبد من ظاهر قوله وعمله إلا ما نواه وأبطنه، لا ما أعلنه وأظهره، وحينئذ من نوى الربا بعقد البيع في الربويات وأدى إلى الربا كان مرابيًا، وكل عمل قصد به التوصل إلى تفويت حق كان محرمًا (31).

المسألة الخامسة: الضابط العام للحيل

لا ريب أن الضابط العام للحيل هو الذي يميز الحيل الجائزة من غير الجائزة؛ لأن كل طريق مشروع يترتب على سلوكه تحقيق مقاصد الشارع من فعل ما أمر الله به، واجتناب ما نهى الله عنه، وإحياء الحقوق، ونصر المظلوم، فهو حلال، وكل طريق يترتب عليه العبث بمقاصد الشارع من إسقاط الواجبات، وتحليل المحرمات، فهو محظور شرعًا، ومن الحيل أيضًا ما تتعارض فيه الأدلة ظاهرًا ولا يتضح فيها مقاصد الشارع ومن ثم يختلف العلماء، فيلحقها بعضهم بالقسم الجائز، ويلحقها الآخرون بالقسم المحظور، كلٌ بحسب ما ظهر له واطمأن إليه، فلا يقال لمن أجازها قد خالفت قصد الشارع؛ لأنه تحرى قصد الشارع ومن ثم ترجحت عنده أدلة الإباحة فألحقها بالقسم الجائز، وأما من منعها فترجحت عنده أدلة الحظر، ومن ثم عدها مخالفة لقصد الشارع فردها إلى القسم المحظور.

ويمكن القول: إن الخلاف الواقع في الحيل يكمن في المقاصد، وهي معتبرة في التصرفات؛ لقول رسول الله  "صلى الله عليه وسلم"  : «إنما الأعمال بالنيات»، ومن تأمل الشريعة وتعرف أحكامها وحكمها رآها قد أبطلت على أصحاب الحيل مقاصدهم، وقابلتهم بنقيضها، وسدت عليهم المقاصد التي فتحوها للتحيل الباطل، ومن ذلك أن الله تعالى عاقب من احتال على إسقاط نصيب المساكين وقت الجذاذ بتحريق بستانهم عليهم وذلك في قوله تعالى: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ}(القلم: 17).

وكذلك أبطل تدبير المدبر إذا قتل سيده لِيُعجِّل العتق، ومن هنا جاء تشنيع بعض العلماء على هذه الطرق المخالفة لشرع الله، فمنعوها وأغلظوا القول عليها.. ورأيهم في ذلك صواب.

أما من كان قصده في استعمال الحيل مشروعًا كنصرة المظلوم، وإحياء الحقوق، فهذا لا يخدش في أحكام الشريعة، وإن كان ظاهر هذه الطرق يخالف باطنها، فمثلًا من تلفظ بكلمة الكفر حال الإكراه وكان قلبه مطمئنا بالإيمان، فإنه استعمل الطريق الظاهر الممنوع المخالف لباطنه؛ حتى ينقذ حياته من هلاك محقق أو متوقع، وهذا مقصد سليم وشرعي، وهذه حيلة، فالفرق بين الطريقين واضح وجلي، ولا يخفى على ذي لب؛ لأن المجوز لها أجازها لمقصد ومطلب شرعي، والمانع لها منعها حماية لأحكام الشريعة من العبث والتضليل، فحينئذ يرتفع الخلاف.

طرق خفية يتوصل بها صاحبها إلى حصول غرضه ولا تعرف إلا بذكاء ودهاء

المراقب في مجلة الوعي الإسلامي

 

الهوامش

(1)انظر: لسان العرب: (2/1055)، القاموس المحيط: (ص: 1278)، المصباح المنير: (1/73)، المعجم الوجيز: (ص: 182).

(2) انظر: القاموس المحيط: (ص: 1278)، المصباح المنير: (1/73)، مقتبس الأثر: (17/94).

(3) انظر: مقدمة كتاب: جنة الحكام وجنة الخصام في الحيل والمخارج للشيخ الإمام سعيد بن علي السمرقندي الحنفي: (ص: 5)، الموافقات: (4/202)، الفتاوى الكبرى لابن تيمية: (3/168)، إعلام الموقعين: (5/188)، كشاف القناع: (6/307).

(4) انظر: إعلام الموقعين: (5/188).

(5) البخاري، برقم: (783)، وأبو داود، برقم: (683-684).

(6)الموطأ برقم: (24- 25).

(7) انظر: الموافقات: (4/201).

(8) انظر: الموافقات: (4/201).

(9) انظر: المرجع السابق: (2/378-379).

(10) انظر: مقاصد الشريعة الإسلامية: (ص: 110).

(11) انظر: مقدمة كتاب: جنة الحكام وجنة الخصام في الحيل والمخارج: (ص: 5).

(12) انظر: الحيل الشرعية في الفقه الإسلامي للدكتور صفوة كوسة.

(13) انظر: الموافقات: (2/385).

(14) مسلم، برقم: (1720).

(15) انظر: تفسير القرطبي: (6/221).

(16) انظر: مجموع الفتاوى (29/245)، المخارج في الحيل: (ص: 93).

(17) انظر: بيان الدليل: (ص: 121).

(18) انظر: مجموع الفتاوى (29/245).

(19) انظر: المخارج في الحيل: (ص: 93).

(20) انظر: تاريخ التشريع للخضري: (ص: 280).

(21) انظر: الحيل الفقهية لمحمد إبراهيم: (ص: 29).

(22) انظر: أبو حنيفة للشيخ أبـي زهرة: (ص: 427-428).

(23) الأدب المفرد، برقم:(124)، البزار، برقم:(8344).

(24) البخاري، برقم: (7084).

(25) انظر: إعلام الموقعين:(3/189).

(26) انظر: الموافقات: (2/381)، إعلام الموقعين: (3/163).

(27) البخاري، برقم: (2223) والنسائي، برقم: (4261).

(28) انظر: الموافقات: (2/380)، إعلام الموقعين: (3/161).

(29) ابن بطة العكبري في جزء إبطال الحيل: (ص:24).

(30) انظر: إعلام الموقعين: (3/160-161).

(31) انظر: فتح الباري: (12/328).